بين الطب وقلمي.. حكاية لا تنتهي.

بقلم:الدكتورة ساميه العتيبي
في زحمة المشافي وهمسات المرضى، وبين دقة التشخيص وسرعة البديهة، تنمو حكاية أخرى توازيها في الأهمية والشغف.. حكاية تجمع بين عالم “الطب” الدقيق ودفء “قلمي” المعبر. إنها رحلة بدأت بشرارة فضول مزدوج، وتطورت إلى شراكة فريدة، حيث يخدم كل منهما الآخر في سبيل فهم أعمق للعالم من حولنا.
لطالما شعرت بجاذبية قوية تجاه فهم خبايا الجسد البشري، تلك الآلة المعقدة التي تحمل في طياتها أسرار الحياة والمرض. كان شغفي بالطب ينبع من رغبة عميقة في فهم الألم، وفي البحث عن سبل لتخفيفه وشفائه. وفي المقابل، كان “قلمي” رفيقي الدائم، أداة استكشافي للعالم الداخلي والخارجي، وسيلتي للتعبير عن الأفكار والمشاعر التي تختلج في صدري.
في بداية رحلتي، بدا العالمان منفصلين. كنت أدرس العلوم الطبية بدقة ومنطق، وأمارس الكتابة كهواية شخصية. لكن مع مرور الوقت، بدأت أدرك أن هناك جسرًا خفيًا يربط بينهما، وأن كليهما يغذي الآخر بطريقة فريدة.
ففي خضم الدراسة والعمل في المجال الطبي، وجدت أن “قلمي” يصبح أداة قوية للتأمل والتفكير النقدي. يساعدني على تنظيم الأفكار المعقدة، وعلى تحليل الحالات المرضية بعمق أكبر. عندما أصف حالة مريض أو أشرح آلية عمل دواء ما، لا أكتفي بنقل المعلومة، بل أسعى لفهم جوهرها وتقديمها بوضوح وإيجاز.
وعلى الجانب الآخر، فإن تجربتي في عالم الطب تمنح “قلمي” مادة خامًا ثرية. أجد في قصص المرضى، في صراعاتهم وآمالهم، في اللحظات الإنسانية التي تتخلل العمل اليومي، إلهامًا لا ينضب. أصبحت الكتابة وسيلة للتعبير عن التعاطف والأمل، ولتسليط الضوء على الجوانب الإنسانية في مهنة غالبًا ما تُرى من منظور علمي بحت.
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل وجدت أن “قلمي” يمكن أن يكون أداة للتواصل والتوعية. من خلال المقالات والخواطر، أستطيع أن أشارك المعرفة الطبية مع الجمهور، وأن أبسط المفاهيم المعقدة، وأن أساهم في نشر الوعي الصحي. أشعر بمسؤولية تجاه استخدام كلماتي لنفع الآخرين، ولتقديم معلومات موثوقة بأسلوب يلامس القلوب والعقول.
قد يرى البعض تناقضًا بين الدقة العلمية للطب والإبداع الأدبي للكتابة، لكنني أرى فيهما تكاملًا. الطب يمنحني أساسًا متينًا من المعرفة والفهم، بينما يمنحني القلم حرية التعبير والقدرة على رؤية العالم من زوايا مختلفة. كلاهما يسعى لفهم الإنسان، أحدهما من الناحية البيولوجية والآخر من الناحية الروحية والعاطفية.
إن العلاقة بين “الطب” و”قلمي” هي حكاية مستمرة، تتطور مع كل تجربة جديدة، ومع كل كلمة أكتبها. هي رحلة اكتشاف دائم، حيث أغوص في أعماق العلم وأحلّق في سماء الأدب. أجد في هذا التوازن مصدر قوة وإلهام، وأؤمن بأن الجمع بينهما يثري حياتي ويمنحني منظورًا أعمق للعالم من حولي.
ستبقى هذه الحكاية مستمرة ما دام قلبي ينبض بالشغف للمعرفة والإنسانية، وما دام قلمي قادرًا على التعبير عن تلك المشاعر والأفكار. فبين الطب وقلمي.. حكاية لا تنتهي، بل تتجدد مع كل فجر يوم جديد يحمل معه قصصًا تستحق أن تُروى.