العلاقات النسوية وهروب الزوجة: قراءة متعمقة في دوافع وتداعيات معقدة.

 

بقلم عبدالعزيز عطيه العنزي

شهدت العقود الأخيرة تحولات جذرية في فهم الأدوار الجندرية والعلاقات الزوجية، مدفوعة بتيارات فكرية نسوية تطالب بالمساواة والعدالة وتمكين المرأة. هذه التحولات، وإن كانت تهدف في جوهرها إلى بناء علاقات أكثر صحية وتوازناً، قد تحمل في طياتها تحديات وتعقيدات تؤثر على استقرار الأسرة، وقد تتجلى في صورة “هروب الزوجة” من العلاقة الزوجية.

لا يمكن اختزال أسباب “هروب الزوجة” في عامل واحد أو ربطها بشكل مباشر بالعلاقات النسوية بمفهومها العام. فالأمر يتعلق بتداخل معقد من العوامل الشخصية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بالإضافة إلى طبيعة العلاقة الزوجية نفسها. ومع ذلك، يمكننا استكشاف كيف يمكن لبعض المفاهيم والتطبيقات غير المتوازنة للأفكار النسوية أن تساهم في تفاقم المشكلات التي قد تدفع الزوجة إلى البحث عن مخرج من الزواج.

أحد الجوانب التي قد تثير إشكالية هو الفهم الخاطئ للمساواة. فالمساواة الحقيقية لا تعني بالضرورة التطابق في الأدوار والمسؤوليات، بل هي تكافؤ الفرص والاحترام المتبادل وتقدير مساهمة كل طرف. عندما يُنظر إلى العلاقة الزوجية على أنها ساحة صراع على السلطة أو محاولة لإثبات الذات على حساب الطرف الآخر، قد تشعر الزوجة بالإرهاق والضغط، خاصة إذا كانت تشعر بأن حقوقها مهضومة أو أن صوتها غير مسموع.

جانب آخر يتعلق بـ توقعات المرأة المتزايدة. مع ارتفاع الوعي بحقوق المرأة وتطلعاتها لتحقيق ذاتها على كافة الأصعدة، قد تجد الزوجة نفسها غير قادرة على تحقيق هذه التطلعات في إطار علاقة زوجية تقليدية أو غير داعمة. إذا شعرت بأن الزواج يعيق تقدمها الشخصي والمهني، أو أنه لا يلبي احتياجاتها العاطفية والفكرية، قد تبدأ في التفكير في خيارات أخرى.

كما أن غياب التواصل الفعال والتفاهم المتبادل يلعب دوراً حاسماً. عندما تفشل الزوجة في التعبير عن احتياجاتها ومخاوفها، ولا تجد استماعاً وتقديراً من زوجها، قد يتراكم لديها شعور بالإحباط والوحدة. ومع مرور الوقت، قد تتلاشى الرغبة في إصلاح العلاقة، ويصبح “الهروب” هو الحل الوحيد الذي تراه أمامها للحفاظ على سلامتها النفسية.

لا يمكن إغفال تأثير التغيرات الاجتماعية والثقافية. فالعالم اليوم يوفر للنساء فرصاً وخيارات لم تكن متاحة في السابق. الاستقلال المادي والاجتماعي للمرأة يمنحها قوة أكبر في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها، بما في ذلك قرار إنهاء الزواج إذا لم تعد تجد فيه السعادة والاستقرار.

من المهم التأكيد على أن “هروب الزوجة” ليس بالضرورة فعلاً أنانياً أو ناتجاً عن رفض للالتزام. في كثير من الحالات، يكون تعبيراً عن يأس عميق ومحاولة أخيرة للحفاظ على الذات في ظل علاقة مؤذية أو غير مُرضية.

لمعالجة هذه الظاهرة المعقدة، لا بد من تبني فهم شامل للعلاقات الزوجية يرتكز على المودة والرحمة والاحترام المتبادل. يجب تعزيز ثقافة الحوار والتواصل الفعال بين الزوجين، وتشجيعهم على بناء علاقة قائمة على الشراكة وتقاسم المسؤوليات. كما أن دعم المرأة وتمكينها يجب أن يتم في إطار يحافظ على تماسك الأسرة واستقرارها، من خلال توفير بيئة زوجية داعمة لتطورها ونموها.

في الختام، لا يمكن تحميل العلاقات النسوية وحدها مسؤولية “هروب الزوجة”. بل هي ظاهرة متعددة الأوجه تتطلب دراسة متعمقة لأسبابها الجذرية والعمل على بناء علاقات زوجية أكثر وعياً وتوازناً، تستوعب التغيرات في الأدوار الجندرية وتلبي احتياجات كلا الطرفين، بما يضمن استقرار الأسرة وسعادة أفرادها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى