المثالية بين الوهم والواقع: عندما يكون العدل أولى من التسامح

بقلم الأستاذة/ لمياء المرشد
المثالية مفهوم يشغل فكر الإنسان عبر العصور، فهي تعني السعي نحو الكمال والتصرف وفق أرقى المبادئ الأخلاقية. لكنها في كثير من الأحيان تبدو كفكرة نظرية أكثر من كونها واقعًا ملموسًا. فالكثيرون يتحدثون عنها ويدّعون الالتزام بها، لكنهم لا يطبقونها إلا في الظروف التي تناسبهم، مما يجعلها تبدو وكأنها وهم نقرأ عنه أكثر مما نراه في حياتنا اليومية.
في عالم مثالي، يُفترض أن يسود العدل، ويكون الجميع صادقين وأوفياء، ولكن الواقع ليس كذلك. فالبشر ليسوا مثاليين بطبيعتهم، بل هم مزيج من الخير والضعف، العدل والهوى. ولهذا، فإن المثالية المطلقة قد تكون عبئًا على الإنسان إذا جعلته يضغط على نفسه ليظهر بمظهر مثالي دائمًا، حتى عندما يكون ذلك على حساب مشاعره الحقيقية أو حقوقه.
هناك من يستخدم المثالية كأداة لفرض توقعات غير واقعية على الآخرين، مثل مطالبة الضحية بمسامحة الجاني دون حصولها على حقها، أو دعوة شخص تعرض للخداع إلى التغاضي وكأن شيئًا لم يكن. لكن القرآن الكريم يخاطب الناس وفق قاعدة العدل والمثل، حيث يقول تعالى: “هل تجزون إلا بما كنتم تعملون.ويؤكد في مواضع أخرى على مبدأ الجزاء بالمثل: من يعمل سوءًا يجز به.فمن الخطأ أن يُطلب من الإنسان المثالية المطلقة بينما يُجازى بغيرها، لأن هذا ينافي عدالة الله وسننه في الكون.
الحياة قائمة على الموازين العادلة، فمن ظلم غيره لا بد أن يذوق جزاء ظلمه، كما قال تعالى: “نسوا الله فنسيهم.فمن يتجاهل الحق ويتمادى في الخطأ لا يُنتظر منه إلا أن يُعامل بالمثل. حتى في سياق المكر والخداع، يبين القرآن أن الله يرد كيد الظالمين إليهم، فيقول: “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين٠
بدلًا من التمسك بالمثالية المطلقة، من الأفضل البحث عن التوازن. ليس من الضروري أن يكون الإنسان مثاليًا طوال الوقت، ولكن الأهم أن يكون صادقًا مع نفسه، وعادلًا في قراراته، ويكيل بنفس المكيال الذي كيل له به، لأن العدل أساس التعامل بين البشر. يمكننا أن نسعى لنكون أشخاصًا أفضل، لكن دون أن نقع في فخ المثالية الزائفة التي تجعلنا نعيش وفق معايير غير واقعية. التوازن هو الحل، فهو يسمح لنا بأن نكون أخلاقيين وعقلانيين في الوقت نفسه، دون أن نفرض على أنفسنا ما لا يمكن تحمله.
المثالية قد تكون قيمة جميلة، لكنها ليست دائمًا عملية أو عادلة. الأهم هو أن ندرك أن الإنسان ليس معصومًا من الخطأ، وأن نبحث عن طريق وسط بين القيم والمواقف الواقعية، حيث نعيش بسلام داخلي دون ضغط السعي وراء وهم الكمال.
وقفة…
بالمثل، كل شيء بالمثل. الطيب مع الطيب، والعدل مع الجميع، ومن اختار طريق الظلم أو الخداع،فسوف يُجازى بما قدمت يداه.