على مسرح الدنيا – المشهد الرابع

بقلم ؛ هيا عبد الجبار

“الشر لا يولد من فراغ.” إنه بذرة قديمة، نبتت منذ اللحظة التي هبط فيها الإنسان إلى الأرض، يوم صار بعضنا لبعض عدوًّا.
تتغير الأشكال، لكن الجوهر واحد؛ أفعى تتلوى في قلب كل مشهد، غير مرئية أحيانًا، وأحيانًا أخرى تُطلّ برأسها بلا خجل.

“الغيرة”ليست سوى خوف متنكّر، يخشى أن يخسر بريقه أمام بريق آخر، فيسكب السم في كؤوس الآخرين ظنًّا أنه سينجو.

“الجريمة”ليست سوى لحظة يستسلم فيها العقل لظلامه، فيرى الجسد غنيمة، والدم طريقًا للنجاة.

“الخيانة”ليست سوى عهد يدفنه المرء بيديه، قبل أن يدفن صاحبه في خسارة أو خراب.

“على مسرح العالم”، الأدوار تتبدل، لكن النص واحد:
حروب تُكتب بأقلام الطمع، أكاذيب تُغنّى بأصوات مخمورة بالسلطة، شعوذة تبيع الوهم، وقلوب تنكسر لأن أحدهم قرر أن الربح أهم من الإنسان.
ومع ذلك، هناك يد عليا تراقب، لا تغفل عن التفاصيل الصغيرة ولا عن النوايا المخفية.
تمهل الظالم كي يعود، أو تقطع عليه طريقه فجأة، وتكشف أن كل التفاف للأفعى لم يكن إلا عقدة في حبل نهايته.
الإنسان يتغير شكله، لكن الأفعى لا تموت..
إنها فقط تغيّر جلدها.
على مسرح الدنيا تتجلى أعظم مشاهد الحياة:حب وخيانة..
غاب الحب وانعدم الوفاء، وتسللت الخيانة كظلٍّ قاتم يطارد العلاقات. الحب هو السيد المطاع، القادر على أن يصنع من البشر أوفياء صادقين،

وعلى خشبة هذا “المسرح”، نرى أن الحب والخيانة يسيران متلازمين، كالنور والظلام. فالحب إذا اختلّ، ولّد خيانة، والعلاقات الزوجية حين تفتر مشاعرها أو يطولها الإهمال والفتور، يفتح الباب للغواية، أو لرغبة الانتقام، أو حتى لتتحول الخيانة نفسها إلى مرض مزمن لا يُشفى منه. والخيانة ـ في حقيقتها ـ لا تغتفر، فهي دمار للأسرة وللحب ولجوهر الحياة، ولا سيما إن صدرت من المرأة؛ لأن في صلاحها صلاحًا للأجيال والمجتمع كله.
ويُكشف “الستار الأسود” عن حكاية موجعة لامرأة قروية خانت عهدها مع نفسها وربها، فتخلصت من زوجها المريض ليخلو لها االمكان ، و زلّت بها القدم إلى الخطيئة ، و لم تستطع دفن السر. وحين حانت ساعة الولادة، فُضح أمرها، وجاء العقاب قاسيًا؛ منفى وعزلة وسواد وجهٍ لا يمحوه الدهر. لكن الأشد وقعًا أن جزاءها جاء من جنس عملها، إذ كانت ظالمة لابنة زوجها اليتيمة الأم ،تطعن في شرفها وتتهمها زوراً وبهتاناً بما لم تفعل. فكأن القدر ردّ لها سهامها، فذاقت من كأس الخزي التي أرادت أن تسقيها لغيرها..
وقصص الخيانة لايتسع مسرح الدنيا لسردها فهي تفرض حضورها كواقع مؤلم لا يمكن تجاهله، خصوصًا في العلاقات العاطفية، حيث لا يغيب الطرف الثالث مهما اختلفت الأزمنة؛ فمنذ فجر الخليقة كان إبليس هو أول من دسَّ سمَّه بين آدم وحواء. ومنذ ذلك الحين، ظل البشر أسرى لنزواتهم، وكأنها قدرٌ محتوم، ما لم يضبط الإنسان نفسه ويصغي إلى عقله.
وهكذا يبقى المسرح شاهدًا: حب يرفع، وخيانة تهوي، وعدل إلهي لا يغفل عن شيء.

إلى اللقاء في مشهد آخر..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com