عندما تنطق الجبال: بلغة لا تُقال

معلا السلمي
نظنّ أن النطق حكرٌ على الألسنة وأن الحكمة لا تخرج إلا من أفواه البشر لكن ماذا لو كانت أعظم الدروس تأتي من حيث لا صوت؟ من حيث الصمت المهيب والثبات الذي لا يهتز هكذا هي الجبال صامتة لكنها تقول الكثير.
عندما تنطق الجبال لا تُصدر صوتًا نسمعه بل تُحدّث أرواحنا بصبرها بعزلتها بسموّها عن ضجيج الحياة تقف هناك منذ آلاف السنين شاهدة على مرور الزمان لا تسأل لا تشتكي لا تركض خلف شيء لكنها تعلّمنا الثبات في وجه العواصف وتعكس فكرة الوجود في أنقى صوره أن تكون فقط.
كل جبل هو لحظة تأمّل لمن أراد أن يفهم. نتأمله فنصغر لا ضعفًا بل تواضعًا أمام عظمة الكون نسير على سفوحه فنفهم أن الطريق إلى القمة ليس سهلًا وأنه لا بد من الجهد والصبر والسكينة. الجبال تهمس لنا بأن الرفعة لا تُنال بالصخب بل بالصمت العميق والارتقاء الداخلي.
عندما تنطق الجبال فإنها تطرح علينا سؤالًا وجوديًا ما معنى أن تكون ثابتًا في عالم متغير؟ هل نحن بحاجة إلى أن نتحرك باستمرار لنثبت أننا أحياء أم أن في الثبات حكمة لا يدركها كثيرون؟
الجبال لا تركض خلف أحد ومع ذلك يأتي الناس إليها. وربما هذه أعظم دروسها كن عظيمًا بصمتك وسيسعى إليك من يبحث عن المعنى.
فالجبال لا تغيّر شكلها لترضي العابرين ولا تنحني للريح لكنها تظل هناك تُذكّرنا بأن القيم الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان. الصمت ليس غياب الكلام بل امتلاءٌ بالمعنى. والثبات ليس جمودًا بل اتزان بين الداخل والخارج بين ما نريد وما يجب.
عندما تنطق الجبال، فإنها لا تخبرنا شيئًا جديدًا بل تُعيد لنا ما كنّا نعرفه ونسيناه أن الإنسان مهما بلغ من العلم لا يزال يتعلّم من الحجارة. وأن أحيانًا أكثر الأشياء حكمة… لا تنطق.