مهرجان الخراف الثاني للتمور: احتفاء بالجذور.. وتطلع نحو الغد

بقلم احمد محمد السعدي
نائب رئيس مجلس إدارة جمعية التنمية الاسرية بمحافظة شقراء
في ربوع ثرمداء، حيث تتنفس الأرض تاريخًا، وتتوج النخيل تاجًا على رأس الصحراء، تحتفي الذاكرة وتتوهج الهوية في “مهرجان الخراف الثاني للتمور”، الذي تنظمه الجمعية الخيرية بثرمداء، تحت رعاية كريمة من مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة بمحافظة مرات. وانطلاقًا من رغبة صادقة في ربط الحاضر بالماضي، وإحياء التراث الأصيل، ينطلق المهرجان هذا العام خلال الفترة من 4 إلى 6 سبتمبر 2025م ، ليمتد ثلاثة أيام حافلة بالعطاء والمعرفة والجمال.
ليس المهرجان سوقًا عابرًا للتبضع، بل هو لوحة فنية مرسومة بألوان الأصالة والكرم، تجسّد فيها عراقة التمر بكل أنواعه وأسمائه، من “الخلاص” الذي يلامس الشفاه، إلى “الرزيز” الذي يعبق بتاريخ الآباء، و”الشفْري” و”الونْنة” و”السُّلَيْمانية”، كلّها ثمار تروي حكايات الأرض والماء والصبر.
هنا، حيث تلتقي المنتجات الزراعية الطازجة بمنتجات الأسر المنتجة التي نسجتها أيادٍ محلية بارعة، يصبح الاقتصاد إبداعًا، والتسويق ثقافة. والأهم من ذلك، يصبح المهرجان جسرًا يتعلم عليه النشء أسماء المزارع القديمة، ومراحل نضج الثمرة، من الطَلْع إلى البُسْر إلى الرُطَب إلى التمر، في رحلة تزرع فيهم الوفاء للأرض وتقدير عطائها.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي والزراعي فحسب، بل يتعداه إلى فسحة للإبداع والترفيه والتراث، من خلال أركان ألعاب الأطفال التي تملأ المكان بهجة، وورش الرسم والنقش التي تحوّل الخيال إلى لوحات، والمصنوعات التراثية التي تحكي بمكوناتها البسيطة قصة شعب أصيل، ومتحف النخيل الذي يمثل نافذة تطل منها الأجيال الجديدة على ماضيها المجيد.
بهذه الرؤية المتكاملة، لا يكون المهرجان مجرد مناسبة موسمية، بل مشروعًا ثقافيًا واجتماعيًا يربط الماضي بالحاضر، ويبني مستقبلاً واعدًا على أساس من الاعتزاز بالهوية والانتماء إلى الأرض.
إنه احتفاء بالتمور، لكنه في جوهره احتفاء بالإنسان، وبقيمة العمل، وبتراث نقيّ يستحق أن نحمله للأجيال القادمة بكل فخر واعتزاز.