آخر مسمار في نعش الوهم

فاطمه الحربي
خطرت في بالي هذه العبارة وأنا أتأمل بعض المواقف في الحياة، كيف نعيش أحيانًا طويلًا داخل فكرة نعرف في أعماقنا أنها غير حقيقية، لكننا نؤجل الاعتراف. ليست تجربة محددة، ولا حكاية بعينها، بل تأمل صادق في لحظة يصل فيها الإنسان إلى قناعة لا تقبل التأجيل… لحظة يُدق فيها آخر مسمار في نعش الوهم
ليس حدثاً عابراً ولا كلمة تقال ببرود. هو اللحظة التي يسقط فيها آخر عذر، آخر تبرير، آخر كذبة كنا نغلف بها الحقيقة كي لا نواجهها. هو النقطة التي لا يعود بعدها الوهم صالحًا للحياة.
الوهم لا يموت دفعة واحدة. يعيش طويلًا لأننا نطعمه بالأمل الكاذب، ونمنحه أعذارًا باسم النية الطيبة، وباسم الانتظار، وباسم يمكن يتغير لكن كل وهم له نعش، وله مسامير تُدق واحدة تلو الأخرى. أولها الشك، ثم الخيبة، ثم التكرار، إلى أن يأتي آخر مسمار… فيسكت كل شيء.
آخر مسمار لا يكون صاخبًا. غالبا يأتي هادئا، واضحًا، قاسيًا بصدقه. كلمة، موقف، غياب طويل، أو فعل لا يقبل التأويل. عندها لا يعود الإنكار شجاعة، بل هروبًا. ولا يعود الصمت حكمة، بل مشاركة في خداع الذات.
من زاوية نفسية، هذا المسمار هو لحظة التحرر المؤلمة. الألم فيها حقيقي، لكنه نظيف. وجع بلا خداع. لأن الوهم حين يموت، يأخذ معه استنزافًا طويلًا كنا نعيش فيه دون أن نشعر. السقوط هنا ليس ضعفًا، بل بداية اتزان.
ومن زاوية إنسانية، هو تصحيح مسار. أن تعترف أنك صدقت أكثر مما يجب، وانتظرت أكثر مما يليق، وغضضت الطرف أكثر مما يستحق. هذا الاعتراف لا يهينك، بل يعيدك لنفسك.
أما من زاوية الوعي، فآخر مسمار هو نضج. هو انتقال من “أريد أن أصدق” إلى “أريد أن أرى”. من التعلق بالصورة إلى احترام الحقيقة. ومن العيش على الاحتمالات إلى الوقوف على الواقع مهما كان قاسيًا.
آخر مسمار في نعش الوهم لا يعني نهاية كل شيء، بل نهاية شيء كان يمنع البدايات. بعده، قد يكون الفراغ مؤلمًا، لكن الفراغ الصادق أرحم من امتلاء زائف. وبعده، تبدأ مرحلة لا تحتاج فيها لتفسير كل شيء… لأنك أخيرًا فهمت.
هذا العنوان لا يكتب عن الخسارة، بل عن النجاة. عن اللحظة التي اخترت فيها نفسك، ولو متأخرًا
دمتم بود هجير



