علمته الرماية… فكان الحسد أقرب من الوفاء

 

بقلم: صالح الصواط – مكة المكرمة

ليست كل الخيبات عابرة، فبعضها يترك أثرًا عميقًا لأن مصدره كان موضع ثقة وقرب. حين يأتي الأذى من القريب، يصبح الوجع مضاعفًا، لا لقسوته فحسب، بل لأنه خالف كل التوقعات، وضرب في عمق العلاقة قبل أن يمسّ ظاهرها.

علمته الرماية، لا ليصوّب سهامه نحوي، بل ليواجه بها تحديات الحياة. منحته الخبرة بصدق، وفتحت له أبواب المعرفة دون مقابل، إيمانًا بأن العطاء الصادق لا يُفقر صاحبه، وأن النجاح حين يُشارك يزدهر ولا ينقص.

غير أن بعض النفوس، حين تشتد قوتها، تضعف أخلاقها، وحين تتعلم المهارة، تنسى فضل من علّمها. فيتحول الامتنان إلى جحود، والإعجاب إلى حسد، ويصبح القريب أبعد من الغريب، وتغدو العلاقة ساحة صراع بدل أن تكون مساحة وفاء.

ولم يكن الحسد في هذه التجربة وليد شعورٍ فردي فقط، بل غذّته همسات في الخفاء، وأشخاص اختاروا أن يعملوا من وراء الستار؛ يحرّكون المشاعر، ويزرعون الشك، ويدفعون غيرهم ليكونوا أداةً لصراع لم يصنعوه بأنفسهم. فالأخطر من الحسد، أولئك الذين يشعلونه ثم ينسحبون، تاركين الآخرين يواجهون نتائج فتنة صُنعت في الظل.

الحسد لا ينشأ من فراغ، بل غالبًا ما يسكن قلوبًا رأت النعمة عن قرب، فعجزت عن شكرها، واختارت إنكارها. وهو في حقيقته لا يؤذي المحسود بقدر ما يستنزف صاحبه، لأنه صراع داخلي بين ما يراه الإنسان في غيره، وما يعجز عن تحقيقه في نفسه.

«ما أقسى أن تتحول اليد التي علمتك إلى هدفٍ لسهمك، وأن يُقابل الإحسان بالجحود، بدفعٍ من أصوات لا تُرى.»

ورغم مرارة التجربة، تبقى القيم أعلى من الجراح. فالنبل لا يسقط بسهمٍ طائش، ولا يُمحى موقف كريم بخذلان عابر. قد نخسر أشخاصًا بسبب الحسد أو التحريض، لكننا نربح ذواتنا بالثبات، ونحفظ كرامتنا بالاتزان.

وفي نهاية المطاف، يظلّ الحاسد أسيرًا لما يفتقده، لا لما يمتلكه غيره. يراقب النعمة من بعيد، فتأكله قبل أن يصل إليها، ويستنزفه الحقد قبل أن يمسّ صاحبها. هو لا يُجيد سوى إطلاق سهام الظن، ظانًّا أنها تُسقط من أمامه، بينما الحقيقة أنها لا تُصيب إلا قلبه هو.

فالحسد لا يُنقص من قدر الناجحين، ولا يُطفئ نور من ساروا بصدق، بل يكشف هشاشة النفوس التي عجزت عن الارتقاء، فاختارت الإسقاط طريقًا. ويبقى صاحب الخُلُق أعلى مقامًا، لأن القيم لا تُهزم، ولأن من اعتاد العطاء لا يندم عليه، حتى وإن خانه بعض من أحسن إليهم.

وهكذا تمضي الأيام، وتسقط الأقنعة، ويظل الفرق واضحًا بين من تعلّم الرماية ليبني، ومن استخدمها ليهدم. وبين هؤلاء وأولئك، تبقى الأخلاق شاهدة، والوفاء مقياسًا، والتاريخ لا يذكر إلا من ارتفع… لا من حسد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى