حين يتكلم الصمت في شتاء الشمال

 

بقلم الكاتبة:نجاح لافي الشمري

الحدود الشمالية..

رفحاء..

يأتي الشتاء إلى الشمال لا كضيفٍ عابر، بل كحالةٍ من السكون العميق، حيث يتراجع الضجيج، وتعلو لغة الصمت. في هذا الفصل، لا تحتاج الطبيعة إلى الكلام، فكل شيء فيها يوحي، وكل مشهد يحمل معنى يتجاوز الكلمات.

في شتاء الشمال، تمتد الغيوم كستارٍ رمادي يعكس ثقل الأفكار، ويجعل الإنسان أكثر قربًا من ذاته. الطرقات الهادئة، والأمطار الخفيفة، والبرد الذي يلامس الوجوه، كلها عناصر تشترك في تشكيل لحظة تأمل صادقة. هنا، يصبح الصمت مساحة للتفكير، لا فراغًا مخيفًا.

وحين يتكلم الصمت، فإنه لا يصرخ، بل يهمس بالحقيقة. يذكّرنا بأن الهدوء ليس ضعفًا، وأن العزلة المؤقتة قد تكون ضرورة لفهم ما اختلط داخلنا. ففي غياب الضوضاء، تتضح الأصوات الداخلية، وتظهر الأسئلة التي اعتدنا تأجيلها.

في شتاء الشمال، لا يحدث الصمت بوصفه غيابًا للكلام، بل حضورًا للمعنى. هناك، يتراجع الصوت كي تتقدّم الفكرة، وتبرد الأشياء كي تسخن الأسئلة. يصبح الشتاء مرآةً شفافة، يرى الإنسان فيها ذاته دون زينة أو ضجيج.

شتاء الشمال لا يمنح الدفء بسهولة، لكنه يعلّمنا كيف نبحث عنه. نكتشف أن الدفء قد يكون فكرة مطمئنة، أو ذكرى قديمة، أو لحظة صدق مع النفس. وهكذا، يتحوّل البرد إلى معلّم، والصمت إلى رفيق.وليس فصلًا،

إنه سؤال.يأتي بوجهٍ بارد، كطفلةٍ لم تتعلّم بعد كيف تشرح مشاعرها،فتختار الصمت وسيلتها الوحيدة للصدق.لا تُجيد البوح،لكن عينيها تقولان ما تعجز عنه الكلمات،وتترك للبرد أن يسبق صوتها،وللهدوء أن يشرح ما لا يُقال.هي لا تصمت ضعفًا،بل لأن الصمت عندها لغة أنقى،وأقرب إلى الحقيقة من الضجيج.في سكونها،

نرتجف منه، لا لأن البرد قوي، بل لأننا نقترب من ذواتنا أكثر مما نحتمل.فالدفء الحقيقي لا يظهر إلا حين نفتقده،كما لا نفهم الضوء إلا في العتمة.في شتاء الشمال،تتجرّد الأشياء من زينتها،وتبقى كما هي الطريق طريق، والإنسان إنسان، والروح بلا أقنعة. هو طفلٌ فيزيائيًا بارد،فلسفيًا دافئ،

يعلّمنا أن القسوة قد تكون شكلًا من أشكال الرحمة،

وأن الصمت ليس نقصًا،بل لغة لا يفهمها إلا من تجرّأ على الإصغاء.وحين نطيل الوقوف في حضرته،ندرك أن الشتاء لا يريد إيذاءنا،بل يريدنا أن نتوقّف،أن نفكّر،أن نعرف أين نسكن نحن من داخلنا.

شتاء الشمال طفلة يتيمة،وُلدت وحيدة بين الرياح والغيوم،جسدها بارد،

لكن قلبها، رغم الصمت، دافئ بما يكفي لاحتواء كل من هرب وتعب.وهي فلسفة صامتة؛تعلّمنا أن الصمت أعمق من أي كلام،وأن البرد ليس مجرد إحساس عابر،بل امتحان خفي للروح.تدعوك أن تتوقف،

أن تبطئ خطاك،أن تعيد ترتيب فوضاك الداخلية،

لتكتشف أن الدفء الحقيقي لا يسكن النيران،

ولا تختصره الكلمات،بل يولد من القدرة على البقاء،

على الإصغاء لما في الداخل،وعلى احتواء ذاتك حتى وأنت تقف وسط الخراب.تلك الطفلة، رغم يتمها،غنية بالشمال الذي يسكنها،تمنح الدفء دون أن تملكه،

وتحتوي دون أن تُسأل،كأنها تهمس لنا بأن أقسى الأشياء

قد تكون أرحمها،وأن أبرد الفصول قد تخبئ أصدق أشكال الطمأنينة.

وفي نهاية كل يوم شتوي، تجلس الطفلة اليتيمة بين ثنايا الشمال،

تراقب الثلوج وهي تتساقط بهدوء،تستمع للرياح كأنها همسات أصدقاء قدامى،وتكتشف أن قلبها، رغم افتقاره للعائلة،غني بالدفء الذي يمنحه لها الشمال.الشمال بالنسبة لها ليس مكانًا باردًا،بل حضن أعمق من أي حضن،يحتوي أحلامها، آلامها، وأسرارها الصغيرة،

ويعلّمها أن الفقد لا يعني الفراغ،وأن اليتيم قد يجد ملاذه الحقيقي في صمت الطبيعة،في صوت المطر، وفي ضوء الغيوم،حيث يصبح البرد لغة حنان، والوحدة رحلة لاكتشاف الذات،والشمال مدرسة للحياة، والطفلة طالبة فيها،

تتعلم كيف يكون القلب غنيًا بالحب حتى وسط الغياب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى