معامل الابتكار لدعم الاستثمار الاجتماعي

 

عبد القادر عوض رضوان

المستشار الإعلامي لجمعية البر بجدة

في ظل الحراكات التنموية المنبثقة من رؤية المملكة 2030، برز مفهوم (الاستثمار الاجتماعي) الذي يتم من خلاله توجيه رأس المال لمعالجة تحدٍ اجتماعي مع تحقيق عائد مالي وأثر إيجابي قابل للقياس، وهو -كما قلنا في مقالات سابقة- استثمار أخلاقي مسؤول يساهم في تعزيز الممارسات المتعلقة بحماية البيئة وحقوق الإنسان وترسيخ العدالة الاجتماعية.

ولعل أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2015 تقدم نموذجاً نوعياً لهذا النوع من الاستثمار الذي يتماهي مع تعزيز القيم الأخلاقية ويغلب عليه تلبية احتياجات الكثير من الشرائح المجتمعية، بما يجعله أحد الروافد التنموية الهامة التي تدفع بعجلة النمو والازدهار، وتساهم في بناء اقتصاد فعال ومتوازن.

واستكمالاً لحلقات التنمية الاجتماعية التي تتصدى لأدائها العديد من المنظمات الحكومية والأهلية ومنظمات القطاع غير الربحي باعتبارها مصدراً مهماً لحيوية المجتمع وفاعليته، فإننا نتوقف مع مدلول (الابتكار الاجتماعي) أو “التفكير التصميمي” الذي تربط من خلاله تلك المنظمات ما بين الأفكار المستحدثة والأشخاص المبتكرين وباقي المؤسسات والتقنيات، لتصبح بتفاعلها مؤثرة في صنع تحولات اجتماعية نوعية، تساهم في تقديم حلول للقضايا المجتمعية وتلبية العديد من الاحتياجات، كالصحة والتعليم ومكافحة الفقر، ورعاية المسنين وترسيخ حقوق الأطفال، والأسر المحتاجة، وحماية النظم البيئية، وغيرها الكثير من القضايا الممتدة على مساحات المنظومة الاجتماعية، والتي تؤكد أن الابتكار هو إحدى أدوات التغيير الفاعلة التي تتطلب أن نرسخ المعرفة التطبيقية له، لنصنع قصص نجاح فريدة في الاقتصاد الملهم، من خلال عقول تتعامل مع المألوف بطرق غير مألوفة، بما يساهم في تحقيق “الإدماج المجتمعي” و”جودة الحياة” و”القدرة على التعامل مع التحديات البيئية” و”كفاءة إدارة الموارد”، وتلكم مخرجات تؤكد أهمية غرس ثقافة (الإلهام) والابتكار في الوعي المجتمعي.

ولعل فكرة (وادي الابتكار الاجتماعي) لربط عالم الأفكار والأشخاص بعالم التقنيات والمؤسسات كجزء من مسؤولياتها الاجتماعية لاستثمار المعرفة والخبرات لتوفير خدمات للمجتمع وتحقيق التنمية المستدامة، في ظل تميز التقنيات ووسائل التواصل الاجتماعي، ستساهم في توظيف مهارات الجيل القادم بشكل تفاعلي مثمر، ليتعدى دورهم الابتكاري مفهوم الريادة الاجتماعية وآليات السوق إلى النظرية الاجتماعية ونظرية التغير الاجتماعي.

لقد عنيت الكثير من المنظمات بتحفيز الابتكار وعقدت من أجله مؤتمرات ومنتديات ولقاءات كثيرة في المملكة منها: المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، ومؤسسة محمد بن سلمان “مسك” التي تقدم (ديوان الابتكار)، ومركز أسبار الذي نظم منتدى الابتكار الاجتماعي بنسختيه، الأولى بالمدينة المنورة، والثانية في الرياض، وقبله تم تنظيم معسكر الابتكار الاجتماعي في جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن كبرنامج تدريبي متخصص في رفع الوعي المعرفي بالابتكار الاجتماعي وقيمته في تقديم الحلول الاجتماعية المستدامة.

كما لا ننسى الجهود البارزة التي يقدمها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء)، وشركة (بياك) الرائدة في إنشاء حاضنات ومسرعات الأعمال وتمكين الابتكار، وهي تابعة لشركة (تقنية) المملوكة من صندوق الاستثمارات، ثم جمعية الابتكار والتقنية التي تركز على إطلاق طاقات أفراد المجتمع الإبداعية لإيجاد حلول مبتكرة للتحديات، وأيضاً مركز نمو السياحة الذي استحدثه صندوق التنمية السياحي لاحتضان قدرات رواد الأعمال وتطويرها وتحفيز الابتكار والنمو المستدام في المشاريع التي تثري التجارب السياحية في الوجهات المستهدفة، مع مراعاة الاستدامة البيئية في تلك المشاريع، وخلق الوظائف وتحقيق جودة الحياة..

تلكم التجارب الحية تنادي بضرورة توحيد جهود مختلف القطاعات لتصب في بوتقة واحدة من خلال التعاون والتنسيق مع (هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار). كما نرى ضرورة إنشاء إدارات أو أقسام داخل مختلف المنظمات تسمى (إدارة التطوير والابتكار) حتى يتحول هذا المفهوم الى ثقافة عامة لدى منسوبي تلك المؤسسات. ويضاف الى ذلك أهمية تدشين أقسام علمية في الجامعات لتدريس مواد ترتبط بالتنمية الشاملة القائمة على مخرجات الابتكار، أو وضع مادة الابتكار والتطوير كمتطلب دراسي جامعي في جميع التخصصات.

ولعلنا نرى أيضاً أن تتصدر منظمات القطاع غير الربحي المشهد الاجتماعي بتخصيص جوائز للمبتكرين الذين يقدمون أفكاراً لمشاريع مجتمعية ذات أثر مستدام.

إن توطين ثقافة الابتكار الاجتماعي وفق منظور مفاهيمي شامل يتطلب احتضان الأفكار وتحفيز المبادرات وتوفير التمويل المستدام لها وحاضنات الأعمال، إضافة الى معامل الابتكار ومجمعات التفكير(Think Tanks) وتعزيز الشراكات المجتمعية، ثم البدء بدراسة أثر الابتكار الاجتماعي في التنمية عبر مقياس معياري يتم استثماره في تطوير سياسات عامة تلبي حاجات المجتمع وتترك أثراً ملحوظاً في الاقتصاد والمجتمع والبيئة، في ظل وجود الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية التي تعمل على تحفيز الاستثمار وخلق الوعي بحقوق المبدعين والمبتكرين وتعظيم المكاسب من توليد أصول ملكية فكرية ذات قيمة اقتصادية واجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى