استشاري : مشاهدة الأجهزة أثناء الأكل يدرّب الدماغ على ” الإدمان الرقمي “
جدة – ماهر عبدالوهاب
في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، تحولت مائدة الطعام لدى معظم الأبناء إلى مساحة صامتة تهيمن عليها الشاشات، حيث ينشغل الأطفال بمقاطع الفيديو والألعاب أثناء تناول وجباتهم ، ورغم أن هذا السلوك يبدو بسيطا أو وسيلة ترفيهية ، إلا أن الأبحاث الطبية والنفسية تؤكد أنه يشكل عادة خاطئة تحمل آثارًا صحية ونفسية وسلوكية عميقة على المدى القريب والبعيد.
ويقول أستاذ واستشاري غدد الصماء وسكري الأطفال البروفيسور عبدالمعين عيد الأغا، إن مشاهدة الجوال والأجهزة اللوحية الأخرى
أثناء الأكل تعتبر من السلوكيات المنتشرة بين الأطفال في جميع المراحل العمرية، وغالبًا ما تبدأ في سن مبكرة بدافع تسهيل عملية الإطعام، ثم تتحول تدريجيًا إلى سلوك قهري مرتبط بالطعام ، ومع الوقت يفقد الطفل قدرته على الجلوس إلى المائدة دون شاشة، ويصبح الطعام مرتبطًا ذهنيًا بالهاتف لا بالحاجة الجسدية أو التواصل الأسري.
وأشار إلى أن التأثيرات الصحية لمشاهدة الأجهزة أثناء الأكل تتمثل في الآتي:
أولًا: التأثير الجسدي والغذائي ، إذ إن انشغال الأطفال بالشاشة يؤدي إلى ضعف التركيز على المضغ والبلع ، وحدوث اضطرابات في الجهاز الهضمي ، بالإضافة إلى زيادة تناول الطعام دون إدراك الشعور بالشبع ، وبجانب ذلك ارتفاع احتمالية الإصابة بالسمنة وسوء التغذية ، كما يقل وعي الطفل بنوعية الغذاء وقيمته، فيميل إلى الوجبات السريعة والسكريات على حساب الأطعمة الصحية.
ثانيا : التأثير النفسي لمشاهدة الجوال أثناء الأكل ، إذ يمثل هذا السلوك خطرا نفسيا خفيا لا يقل أهمية عن الأثر الجسدي، حيث يؤثر مباشرة على النمو العاطفي والسلوكي للطفل، ومن أبرز هذه التأثيرات : ضعف الارتباط العاطفي بالأسرة ، إذ تحرم الشاشات الطفل من التفاعل الأسري أثناء الوجبات، ما يقلل من فرص الحوار والمشاركة، ويؤثر سلبًا على الشعور بالأمان والانتماء داخل الأسرة ، وأيضا زيادة القلق والتوتر ، فالاعتماد على الجوال أثناء الأكل يجعل الطفل أكثر عرضة للتوتر عند غيابه، وقد يظهر ذلك في صورة نوبات غضب ، رفض تناول الطعام دون شاشة ، توتر وانفعال عند سحب الجوال ، بجانب تعزيز السلوكيات الإدمانية ، فالربط المستمر بين الطعام ومشاهدة الجوال يدرّب الدماغ على طلب التحفيز المزدوج (طعام + شاشة)، ما يزيد من احتمالية الإدمان الرقمي ، واضطرابات التحكم بالسلوك مستقبلًا ، وإضافة إلى ذلك ضعف التركيز والانتباه ، فالدماغ الطفولي غير مهيأ لتعدد المهام، ومع تكرار هذا السلوك يتراجع مستوى التركيز والانتباه، وقد ينعكس ذلك على الأداء الدراسي والسلوكي.
وعن الطريقة الصحيحة لتناول الطعام عند الأطفال قال د.الأغا:
الطريقة الصحية لتناول الطعام تعتمد على الوعي والانتباه الكامل، وتشمل تناول الطعام دون شاشات ، الجلوس بوضعية صحيحة وعلى مائدة مخصصة ، المضغ ببطء والاستمتاع بالطعام ، إشراك الطفل في الحوار الأسري أثناء الوجبة ، وهذا الأسلوب يعزز العلاقة الإيجابية مع الطعام ويقوي الروابط الأسرية.
وحول سؤال: ماذا يحدث للعقل عند الأكل مع مشاهدة الجوال؟ أجاب:
عند الجمع بين الطعام ومشاهدة الأجهزة يدخل الدماغ في حالة تشوش إدراكي، حيث تنشغل مراكز المتعة بالمحتوى الرقمي بدلا من الإحساس بالطعام، مما يؤدي إلى تعطيل إشارات الشبع ، ضعف الذاكرة المرتبطة بالطعام ، الاعتماد على المؤثرات الخارجية للشعور بالرضا ، ومع الوقت يفقد الطفل قدرته على الاستمتاع بالطعام دون محفزات رقمية.
ويوجّه د.الأغا في ختام حديثه بعض النصائح
المهمة للأطفال والأهل وهي :
جعل مائدة الطعام منطقة خالية من الشاشات ، البدء بالتغيير تدريجيًا دون إجبار أو عقاب ، على الأسرة أن تكون قدوة حسنة في سلوكهم الغذائي ، تعزيز الحوار الإيجابي أثناء الوجبات ، تشجيع الأطفال على التعبير عن مشاعرهم بدل الهروب للشاشة ، ربط الطعام بالراحة والتواصل لا بالتسلية الرقمية ، فالخلاصة إن مشاهدة الأجهزة أثناء الأكل ليست مجرد عادة يومية، بل سلوك له تبعات صحية ونفسية وسلوكية عميقة ، والتعامل الواعي من الأسرة خاصة في السنوات الأولى، يعزز بناء علاقة متوازنة عند الأطفال مع الطعام والتكنولوجيا في وقت واحد.



