صحوة العقل

بقلم الكاتبة / آمال الفقيه

القوة العجيبة التي منحها الله لنا هي نعمة العقل والتفكير، والتمييز بين الأفعال. هذا هو استخدامه، وهذا هو الغرض من وجوده في الإنسان فقط.
ولكن أين نحن من هذه النعمة العظيمة في زحمة الحياة؟
احتُبست هذه النعمة، وهذه الفطرة النقية، داخل حدود تختلف صِغرًا وكِبَرًا بحسب كل شخص وطريقة تفكيره.

الجانب المهم هنا: كثيرٌ منا كان يتخطى — أو بالأصح لا يدرك — قيمة هذه النعمة، ويكتفي بترديد كلمة “ياليت”.
وماذا تفيد كلمة ياليت بعد فوات الأوان؟، بعد أن ينتهي الشيء ولا نستطيع استرجاعه؟.

هذا هو حالنا مع وجود الأم أو الأب على قيد الحياة ، أمامنا كنز ونعمة، لكن شغلتنا الدنيا وشغلت معها عقولنا.
أصبح وقتنا القليل لهم، والكثير لغيرهم.
أين كانت صحوة العقل حين كان يجب أن ندرك أن يوم الفقد آتٍ لا محالة، وأن ما كان قليلًا قد ينتهي فجأة؟

لم نفكّر بعمق؛ لأن الانشغال أمر طبيعي في حياة الإنسان بين مسؤوليات وظروف.
ولأن الانشغال ليس دليلًا على عدم محبتهم، ولكن ثقتنا بأنهم حولنا دائمًا أعطتنا أمانًا زائفًا بالدوام، وهذا غير صحيح، لقوله تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ صدق الله العظيم.

هنا لم يتنبّه العقل للمعنى الكبير: أن لكل شيء قدرًا ونهاية.
وبعد النهاية يأتي لوم النفس وشعورها بالتقصير في حقهم.
نلوم أنفسنا: لماذا؟ وكيف؟
فألم الفقد أعمق من أي ألم؛ هو ما يجعلنا نشعر بالندم على كل لحظة مرت دونهم.
ونسأل: هل كان غيابنا عنهم يحزنهم؟
أسئلة كثيرة، وحيرة أكبر، وخوف من أننا كنا مقصرين في برّهم في الدنيا.
لكن ما فائدتها الآن بعد فوات الأوان؟
رحلوا فجأة…
كان حبهم كبيرًا، لكن غيابهم الآن أكبر.

الآن لا نسأل: أين كان عقلنا؟
بل نسأل: كيف نبرّ بهم أكثر؟
وبرّهم الحقيقي يكون بالعمل الصالح الذي يصل إليهم، ويربطنا بهم إلى أن نلقاهم في جنات النعيم بإذن الله.

يا من تنعمون بوجود والديكم… قبل أن تغلق الأقدار أبوابها، وقبل أن يصبح صوتهم ذكرى، وقبل أن تختفي وجوههم وتصبح خيالًا…
اقتربوا منهم أكثر، فكل لحظة معهم تساوي كنوز الأرض.
لا تؤجلوا النظر في وجوههم أو الحديث معهم وتقولوا: “بكرة”.
فسيأتي يومٌ لا بكرة فيه ، وحينها سنشعر بمعنى الخسارة التي لا تُعوّض.
لا فرص جديدة، ولا كلمات لوم تكفي، فقد غابت وجوههم عند رب رحيم… أرحم منا.

وقتها يصحو العقل من غفلته، ويدرك الحقيقة التي غفل عنها كثيرون.
فصحوة العقل ليست للوالدين فقط، بل صحوة لكل نفس عليها أن تستيقظ من غفلتها.
صحوة العقل في محاسبة النفس هي أكبر هدية من الله لنا، لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾.

اللهم إنا لا نعلم متى يحين موعد رجوعنا إليك،
اللهم أحسن خاتمتنا، ولا تأخذنا من الدنيا إلا وأنت راضٍ عنّا يا رب العالمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى