محاكاة حملة التصيّد الإلكتروني: حين نختبر الوعي قبل أن يختبرنا المهاجم

✍️ بقلم: م. محمد هاشم البدرشيني

متخصص في الأمن السيبراني

في عالمٍ تتسارع فيه الهجمات السيبرانية، لم يعد السؤال: هل سنُستهدف؟

بل أصبح السؤال الأهم: هل نحن مستعدون؟

من هنا تبرز محاكاة حملات التصيّد الإلكتروني (Phishing Simulation) كأحد أكثر الأدوات فاعلية وذكاءً في قياس الجاهزية الأمنية للمؤسسات، ليس من زاوية تقنية بحتة، بل من زاوية إنسانية في المقام الأول.

الإنسان… الحلقة الأضعف والأهم

رغم تطور أنظمة الحماية، وجدران النار، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما زال العنصر البشري هو الهدف المفضل للمهاجمين. رسالة بريد واحدة، رابط مُتقن الصياغة، أو رسالة عاجلة تحمل نبرة تهديد أو إغراء… كفيلة بإسقاط أقوى الأنظمة.

وهنا يأتي دور المحاكاة، لا كأداة “اصطياد أخطاء”، بل كوسيلة تشخيص واقعية لسلوك الموظفين تحت الضغط.

ما المقصود بمحاكاة حملة التصيّد؟

هي تنفيذ سيناريو هجومي افتراضي يحاكي أساليب المخترقين الحقيقية، عبر:

• رسائل بريد إلكتروني مزيّفة

• روابط وهمية

• نماذج تسجيل دخول مزورة

• رسائل عاجلة باسم الإدارة أو جهة رسمية

والهدف ليس الاختراق، بل القياس:

من ضغط؟

من تردّد؟

من بلّغ؟

ومن تصرّف بوعي؟

لماذا تُعد المحاكاة ضرورة وليست خيارًا؟

لأن التدريب النظري وحده لا يكشف الحقيقة.

الوعي الحقيقي يظهر في لحظة القرار، لا في قاعة التدريب.

محاكاة التصيّد:

• تكشف الثغرات السلوكية الخفية

• تقيس مستوى الوعي الفعلي لا المعلن

• تحوّل الخطأ إلى فرصة تعلّم

• ترفع حسّ المسؤولية الفردية

• تبني ثقافة “الإبلاغ بدل الإخفاء”

من العقوبة إلى النضج الأمني

أكبر خطأ ترتكبه بعض الجهات هو تحويل نتائج المحاكاة إلى أداة محاسبة أو توبيخ.

الأمن السيبراني لا يُدار بالخوف، بل بالثقة والتمكين.

المؤسسة الناضجة أمنيًا هي التي تقول لموظفيها:

“أخطِئ… لكن تعلّم، وبلّغ، وكن جزءًا من الحماية.”

المحاكاة كقرار إداري لا إجراء تقني

نجاح محاكاة التصيّد لا يعتمد على التقنية فقط، بل على:

• دعم الإدارة العليا

• وضوح الرسائل التوعوية

• ربط النتائج بخطط تحسين واقعية

• تكرار المحاكاة بأساليب متجددة

عندها فقط، تتحول المحاكاة من تجربة عابرة إلى منظومة وعي مستدامة.

الهجمات السيبرانية لن تتوقف…

لكن المؤسسات الواعية لا تنتظر الهجوم لتتعلّم.

محاكاة حملة التصيّد الإلكتروني ليست اختبارًا للموظف،

بل اختبارًا لثقافة المؤسسة بأكملها.

وفي الأمن السيبراني،

الوقاية لا تبدأ من الجهاز…

بل من العقل الواعي خلف الشاشة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى