أبٌ بكى… فسقطت الإنسانية من المشهد

بقلم الإعلامي صالح المحجم

لم تكن مزرعة… كانت منفى أخير لرجلٍ طُرد من كل شيء إلا من صبره.

ذهبتُ إلى أحد أصدقائي في مزرعته وكنت أظنني أزور أرضًا خضراء، فاكتشفت أنني أدخل على قلبٍ يابسٍ من شدّة الوجع
قلبٍ لم يعد يطلب شيئًا من الدنيا سوى أن يُترك بسلام.
رأيته…
رجلٌ مغترب طاعن في السن ، يعمل وحده وكأنه يعاقب نفسه على ثقةٍ لم يكن ينبغي لها أن تُمنح.
وجهه مليء بالتجاعيد ، ليست آثار عمر…، بل تواريخ خيبات.
جلس معنا صامتًا ، وصمته كان فاضحًا أكثر من البكاء.
شعرت أن الكلمات تخونه، وأن الوجع أكبر من أن يُحكى.
عدتُ إليه وحدي.
قلت له:
جئت لأسمعك… لا لأحكم عليك.
تنهد…
وكان تنفسه يشبه اعتذارًا متأخرًا عن حياةٍ كاملة.
قال لي:
أنا لم أخسر زوجة…
أنا خسرت عمري.
حكى.
وفي كل كلمة كان شيءٌ يسقط منه.
قال إنه ترك وظيفته وأرضه وكرامته لأجل امرأةٍ وأبناء.
اغترب
عمل ليلًا ونهارًا
حمل التعب وحده
وبنى بيتًا ظنّه مأوى شيخوخته.
ثم سلّم مفاتيحه أمانه بيدها.
قالت له:
حوّل البيت باسمي… إجراء فقط.
لم يكن إجراء كما ذكرت ، بل كانت النهاية.
عاد ليجد أبناءه خلفها والقانون ضدّه، والبيت مغلقًا في وجهه ، كأن الذكريات لا تملك حق الإقامة.
قال بصوتٍ منكسر: لم يوجعني الخُلع… أوجعني أن أولادي شهدوا ضدي.
ثم بكى.
بكاء رجلٍ لم يبكِ حين كان شابًا
ولم يبكِ حين كان قويًا
ولم يبكِ حين كان فقيرًا
لكنه بكى حين اكتشف أن الأبوة لا تحمي من الخذلان.
خشيت أن يلعنهم.
خشيت أن يثور.
لكنه رفع يديه وقال:
اللهم لا تُحاسبهم بما فعلوا…
اللهم أصلحهم.
اللهم ردهم لي صالحين
عندها…
خجلتُ من نفسي.
خجلتُ من هذا العالم.
خجلتُ من كل خطابٍ عن القيم لا يحمي الآباء من الطرد.
كلما نودي للصلاة قال لي:
قم نصلي…
فالذي لم يخنني بعد… هو الله.
خرجتُ وبكيت.
ليس حزنًا عليه فقط
بل خوفًا من عالمٍ
يمكن أن يُلقي بالأب خارج البيت ، ثم ينام مطمئنًا.
الصادم ليس أنه خُذل… الصادم أنه ما زال يدعو.
بعض الرجال لا يُكسرون ، لكنهم يُسحقون بصمت ، ويُتركون وحدهم ، حتى ينسوا شكل العدل.

الخاتمة:
لم يُطرد هذا الرجل من بيتٍ فقط…
بل طُرد من ذاكرةٍ كان يظنها آمنة.
سُحب منه العمر باسم النظام
وسُلبت منه الأبوة باسم المصالح
وتُرك واقفًا أمام شيخوخته بلا سند.
لم يصرخ.
لم ينتقم.
لم يلعن.
اكتفى بأن يرفع يديه ويقول:
اللهم لا تُحاسبهم بما فعلوا.
وهنا…
لم أسأل:
لماذا بكى؟
بل سألت: كيف استطاع هذا العالم أن يناموأبٌ مثله خارج بيته؟
، نصيحة كاتب محب رفقًا
رفقًا بالآباء قبل أن تتحول دموعهم إلى شهادة إدانة علينا جميعًا.
فنحن لا نخونهم دفعةً واحدة… بل نخذلهم بصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى