هندسة الاستدامة: الغنيم ونظرة ولي العهد للبيئة

 

بقلم أ د محمد شايع الشايع

الرياض – عبدالله الحربي

استاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود

حينما يتشرب الموطن حس المسئولية، في ظل قيادة شبهة مواطنيها بجبال طويق العريقة تبرز على السطح أمن وسلامة المياه وامداداتها، في قلب شبه الجزيرة العربية، حيث تفرض الجغرافيا أحكامها القاسية، وترسم الشمس سطوتها من بزوغ الفجر حتى الغروب، تدور معركة صامتة ومستمرة لا تقل أهمية عن معارك بناء ناطحات السحاب أو شق الطرق السريعة؛ إنها معركة “البقاء والنمو” التي عمادها العنصر الأغلى في تلك البيئة: الماء.

في العاصمة السعودية الرياض، المدينة التي تتمدد أطرافها بسرعة مذهلة، ويتلاحم فيها الطموح الحضري مع التحديات البيئية، تبرز قضية المياه كحجر الزاوية في أي تخطيط مستقبلي. هنا، لا يعد الماء مجرد خدمة تُقدم، بل هو شريان حياة يُضخ عبر مئات الكيلومترات ليروي عطش مدينة لا تنام. وفي خضم هذا التحدي الوجودي، برز اسم المهندس طارق الغنيم ليس مجرد مستثمر وإداري أو تقني، بل كمهندس لرؤية جديدة كلياً، ومغير لقواعد الاستثمار في قطاع تحلية المياه، واضعاً استراتيجية تحول الندرة إلى وفرة مستدامة

الرياض .. رؤية تتجاوز العطش

الرياض ليست مجرد عاصمة، إنها مركز ثقل اقتصادي وسياسي ينمو بوتيرة متسارعة، مما يفرض ضغطاً هائلاً على البنية التحتية. في الماضي، كانت الحلول التقليدية تعتمد مبدأ “وفر المزيد لتستهلك المزيد”، وهو المبدأ الذي أدى إلى استنزاف مفرط للطاقة والموارد المالية. ومع تسنم سمو ولي العهد لزمام “الاستثمار الناعم” في البيئة، والدعم الكبير لكل فكرة ناجحة باعتباره ركن التميز في رؤية الوطن 2030، باتت تحلية مياه البحر الخيار الاستراتيجي الأول والأوحد لتلبية احتياجات الملايين في قلب الصحراء. ورغم أن هذه التكنولوجيا كانت طوق النجاة لعقود، إلا أنها حملت معها ضريبة باهظة: استهلاك فلكي للطاقة الكهربائية والوقود، وفائض من المياه المعالجة “الرجيع الملحي” الذي يهدد البيئة البحرية، وتكاليف تشغيلية ترهق كاهل الميزانيات العامة. كانت الرياض بحاجة إلى من ينظر لهذه المعادلة بعين مختلفة؛ عين لا ترى في الماء مجرد منتج، بل ترى فيه منظومة متكاملة من القيم الاقتصادية والبيئية.

الغنيم.. هندسة الحلول العلمية

وسط هذا المشهد المعقد والمعضلة الاستثمارية، تأتي الحلول العلمية، حيث بزغ نجم المهندس طارق الغنيم كصانع تغيير حقيقي. لم يكتفِ الغنيم بالدور التقليدي للمهندس الذي يدير المحطات، بل تبنى فلسفة “الإدارة الشاملة للموارد المائية”. تمحورت رؤيته حول فكرة جوهرية: كيف يمكننا الاستفادة الكاملة من كل قطرة ماء تُنتج، وتقليل الهدر إلى الصفر، وربط قطاع المياه باستراتيجية وطنية تخدم الإنسان والبيئة والاقتصاد في آن واحد؟ أدرك الغنيم مبكراً أن الاستمرار في الأساليب التقليدية هو طريق مسدود، وأن الحل يكمن في دمج

التكنولوجيا المتقدمة مع الوعي الإداري والاقتصادي؛ فحوّل القطاع من مجرد “مُزود خدمة” إلى “شريك تنموي” يساهم بفاعلية في تحقيق مستهدفات جودة الحياة

ثورة التقنية وعصر الأنظمة الهجينة

ليرسم ويطوع ثورة التقنية كبصمة لملف شائك، اعتمد الغنيم وطوّر التقنيات الهجينة (Hybrid Technologies) في عمليات التحلية. فبدلاً من الاعتماد الكلي على تقنيات التبخير الومضي التقليدية والمكلفة، أو الاعتماد المنفرد على التناضح العكسي، قاد توجهاً لدمج النظامين بذكاء هندسي فريد. هذا الدمج لم يكن ترفاً، بل ضرورة ملحة حققت نتائج مذهلة على أرض الواقع، تمثلت في ثلاث ركائز أساسية:

كفاءة الطاقة: تشير الدراسات الفنية والبيانات التشغيلية للمشاريع التي أشرف عليها أو ساهم في هندستها، إلى أن هذه الأساليب الحديثة ساهمت في خفض استهلاك الطاقة بنسب تتراوح بين 15% إلى 20% مقارنة بالمنظومات التقليدية. هذا الرقم، بلغة الاقتصاد والطاقة، يعني توفير ملايين الريالات سنوياً، وتقليل الانبعاثات الكربونية المصاحبة لتوليد الكهرباء، مما يصب مباشرة في مصلحة البيئة العالمية ومبادرات السعودية الخضراء.

تعظيم الإنتاج: ساهمت التقنيات الهجينة في زيادة معدل استخلاص المياه العذبة من مياه البحر، مما يعني إنتاج كميات أكبر بنفس المدخلات الأولية، وهو ما يمثل قمة الكفاءة التشغيلية.

جودة لا تُضاهى: لم يكن التركيز على الكمية فحسب، بل ضمنت هذه التقنيات استقراراً عالياً في جودة المياه المنتجة ومطابقتها لأعلى المعايير العالمية، مما يعزز الصحة العامة للمجتمع.

الأثر المستدام: بيئة، اقتصاد، وحياة

وحيث أن الإبداع الفكري والعلمي يقين يتشربه الفرد في ظل دعم حكومي مؤسسي راقٍ، لم تتوقف رؤية المهندس الغنيم عند حدود محطات التحلية وأسوارها، بل امتدت لتشمل الأثر الكلي للمياه في دورة الحياة. لقد أثبت نموذجه أن إدارة المياه هي رافعة للتنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة:

أولاً: البُعد البيئي (مصالحة مع الطبيعة): لطالما كانت محطات التحلية متهمة بالإضرار بالبيئة البحرية بسبب إلقاء المخلفات الملحية المركزة (الرجيع) في البحر. ركزت استراتيجيات الغنيم على تقليل هذه المخلفات إلى أدنى حد، ومعالجتها بطرق مبتكرة، مما خفف الضغط على النظم البيئية الحساسة، وجعل من صناعة التحلية صديقاً للبيئة لا عدواً لها.

ثانياً: البُعد الاقتصادي (الاستثمار في الذهب الأزرق): من خلال تقليل تكاليف الإنتاج عبر خفض استهلاك الطاقة، تم توفير ميزانيات ضخمة يمكن إعادة ضخها في مشاريع تنموية أخرى. وعلاوة على ذلك، فتحت هذه الرؤية آفاقاً للاستثمار في استخدام المياه المعالجة والرمادية في قطاعات حيوية، مثل “الزراعة الذكية” والمشاريع الصناعية، مما خلق دورة اقتصادية متكاملة.

ثالثاً: البُعد الاجتماعي (جودة الحياة): تأمين إمدادات مياه مستقرة وعالية الجودة هو الركيزة الأولى لاستقرار المجتمعات ورفاهيتها. وقد انعكس هذا النجاح الهندسي بشكل مباشر على حياة المواطن والمقيم في الرياض، حيث تعزز الأمن المائي، وتحسنت الثقة في الخدمات العامة.

التحديات.. وقود للابتكار

رغم هذه الصورة المشرقة، فإن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود. يدرك المهندس طارق الغنيم ومعه فريق العمل أن تطبيق النظم المتقدمة يواجه عقبات حقيقية، أبرزها:

التكلفة الرأسمالية العالية: حيث تتطلب التقنيات الهجينة والأنظمة الذكية استثمارات أولية ضخمة.

تحدي البنية التحتية: الحاجة لتحديث مستمر للشبكات القائمة لتكون “شبكات ذكية” قادرة على التوافق مع التكنولوجيا وكشف التسربات لحظياً.

الوعي المجتمعي: تبقى التقنية عاجزة إذا لم يقابلها وعي بشري، وتبرز ضرورة تعزيز ثقافة “ترشيد الاستهلاك” كأحد أكبر التحديات.

ومع ذلك، تعامل الغنيم مع هذه التحديات لا كحواجز، بل كمحفزات للتطوير؛ فالتكلفة العالية يتم تعويضها عبر التوفير التشغيلي، والبنية التحتية هي استثمار للأجيال، والوعي المجتمعي مشروع تشاركي. إن ما يحدث في قطاع المياه في الرياض اليوم، وبصمات المهندس طارق الغنيم الواضحة فيه، يتجاوز كونه قصة نجاح محلية؛ إنه يقدم إطاراً مرجعياً لدول المنطقة التي تعاني من “الفقر المائي”، ويثبت أن الحلول الذكية والشراكات الاستراتيجية قادرة على قهر الظروف الجغرافية الصعبة.

خاتمة: شكر وامتنان لقيادة الرؤية

في الختام، لا يمكن اختزال قصة المهندس طارق الغنيم في مجرد أرقام، رغم أهميتها. القصة الحقيقية تكمن في تغيير العقلية (Mindset Shift). لقد أثبتت تجربته أن كل قطرة ماء لها ثمن، ولها قيمة، ولها كرامة يجب أن تُصان. لقد تحولت إدارة الموارد المائية في الرياض من عملية فنية روتينية إلى سياسة وطنية واستراتيجية مستقبلية، مُحوّلةً ندرة الماء من “أزمة” إلى “فرصة” للابتكار.

إنها قصة نجاح سعودية بامتياز، تُعلّمنا أن التقنية حينما تلتقي مع الإرادة الصلبة والوعي الأخلاقي والإداري، فإنها قادرة على صنع المعجزات، وصياغة نموذج حضاري يستفيد من الموارد دون هدر، ويحافظ على البيئة ويدعم الاقتصاد، ويضمن للأجيال القادمة حقها في الحياة، قطرة بقطرة.

ويأتي كل ذلك ليقول الجميع: شكراً لسمو ولي العهد؛ فاستثمارك في العقول ودعم النجاح هو ميدان عمل مستمر، وومضة فكر لا ينضب. حفظ الله خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين، ووطننا الغالي.. شعباً، ومقدرات، وأمناً .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى