وصايا قرآنية لحياة مطمئنة

الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
آل عمران: 159
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتزداد فيه الضغوط، ويثقل كاهل الإنسان همّ القرار ومخاوف المستقبل، تأتي الوصايا القرآنية كرسائل طمأنينة تعيد ترتيب الداخل قبل الخارج، وتضبط العلاقة بين السعي البشري والتسليم الإيماني.
هذه الآية الكريمة تختصر منهج حياة متكامل؛ فالعزم يعني وضوح الرؤية، وحُسن التخطيط، وبذل الجهد، وعدم التردد بعد المشورة، أما التوكّل فهو مرحلة أسمى، يتحرر فيها القلب من القلق، ويُسلِّم النتائج لله بعد استفراغ الوسع.
ولعل من أعظم ما يرسّخ هذا المعنى قول النبي ﷺ:
«لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا»
فالطير لا تمكث في أعشاشها انتظارًا للرزق، بل تسعى، ثم تعود مطمئنة، دون أن تحمل همّ الغد أو تخشى انقطاع العطاء.
وهنا يتضح الفرق بين التوكّل والتواكل؛ فالأول عملٌ واعٍ يعقبه تسليم، والثاني تخلٍّ عن المسؤولية باسم الثقة. التوكّل الحق لا يُضعف الإرادة، بل يقوّيها، ولا يُلغِي الأسباب، بل يبارك فيها.
إن أكثر ما يفتقده إنسان اليوم ليس كثرة الحلول، بل سكينة القلب. والتوكّل الصادق هو أحد أعظم مفاتيح هذه السكينة؛ به يهدأ القلق، وتستقيم القرارات، ويشعر الإنسان أن خلف كل بابٍ مغلق حكمة، وخلف كل تأخير عطاء.
وحين يعزم الإنسان ويتوكّل، فإنه لا يخسر أبدًا؛ إما تحقيق ما أراد، أو أجر الرضا، وكلاهما مكسب.
اللهم اجعلنا من المتوكلين عليك حق التوكل، واملأ قلوبنا يقينًا بك، ورضًا بقضائك، وطمأنينةً بذكرك.



