رحلة المملكة العربية السعودية نحو الفضاء رؤية علمية

 

بقلم – جوهرة ردود الحارثي – معلمة فيزياء

من وجهة نظري العلمية، لم يعد الفضاء مجالًا ترفيًا أو استكشافيًا محدود الأثر، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في بناء الاقتصادات الحديثة وتعزيز الأمن التقني والمعرفي. وانطلاقًا من هذا الفهم، يأتي توجه المملكة العربية السعودية نحو الاستثمار في قطاع الفضاء كخطوة استراتيجية واعية تتماشى مع متطلبات العصر ومستهدفات رؤية المملكة 2030.

لقد انتقلت المملكة في فترة وجيزة من مرحلة المتابعة إلى مرحلة الشراكة الفاعلة في مجالات علوم الفضاء، سواء عبر إطلاق الأقمار الصناعية، أو تأسيس الهيئة السعودية للفضاء، أو المشاركة في المهمات الفضائية الدولية. وبرأيي، فإن هذه التحركات لا تعبّر فقط عن طموح تقني، بل عن إدراك عميق لأهمية توطين المعرفة وبناء القدرات الوطنية في مجالات علمية متقدمة.

كما أرى أن البعد الأهم في هذه الرحلة يتمثل في أثرها العلمي والتعليمي، حيث أسهمت مشاريع الفضاء في تعزيز الاهتمام بعلوم الفيزياء والهندسة وSTEM، وتحفيز الأجيال الجديدة على الابتكار والبحث العلمي. فالفضاء بطبيعته مجال عابر للتخصصات، يجمع بين الفيزياء والتقنية والهندسة والرياضيات، ويُعد بيئة خصبة لتنمية التفكير العلمي والاستقصائي.

ومن منظور علمي، فإن الاستثمار في الفضاء لا يقتصر على الإنجازات الرمزية، بل يمتد إلى تطبيقات عملية تمس الحياة اليومية، مثل الاتصالات، والاستشعار عن بُعد، ومراقبة البيئة، وإدارة الموارد الطبيعية. وهذه التطبيقات تعزز من كفاءة القطاعات الوطنية وتدعم الاستدامة، وهو ما يتوافق مع أهداف التنمية في رؤية 2030.

وخلاصة القول، أرى أن رحلة المملكة نحو الفضاء تمثل نموذجًا للتحول العلمي المدروس، الذي يجمع بين الطموح والواقعية، ويضع الإنسان السعودي في قلب المشروع المعرفي. ومع استمرار الاستثمار في البحث والتطوير وتمكين الكفاءات الوطنية، فإن المملكة مؤهلة لأن تكون لاعبًا مؤثرًا في مستقبل علوم الفضاء، لا مستهلكًا للتقنية فحسب، بل مساهمًا في صناعتها وتطويرها.

وفي الختام، أؤمن بأن رحلة المملكة العربية السعودية نحو الفضاء ليست مجرد إنجاز علمي عابر، بل مشروع وطني يعكس وعي القيادة بأهمية العلم في صناعة المستقبل. إن الاستثمار في علوم الفضاء هو استثمار في الإنسان السعودي، وفي قدرته على الابتكار والمنافسة عالميًا، وبناء اقتصاد معرفي مستدام. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز الثقافة العلمية، ودعم تعليم الفيزياء وعلوم الفضاء، يُعد مسؤولية مشتركة تسهم في إعداد أجيال قادرة على استكمال هذه الرحلة بثقة واقتدار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى