التأثير بلا وعي… حين يتحول المحتوى إلى عبء أخلاقي

 

بقلم: الشاعرة:جود فارس العتيبي

في زمنٍ صارت فيه المنصات الرقمية مسرحًا مفتوحًا لكل صوت، لم يعد السؤال: من يؤثر؟ بل كيف يؤثر؟

فالتأثير اليوم لم يعد امتيازًا نخبويًا، بل مسؤولية أخلاقية تتجاوز عدد المتابعين، وتمتد إلى عمق الأثر الذي يُترك في الوعي الجمعي.

المحتوى، مهما بدا بسيطًا أو عابرًا، يحمل رسالة، والرسائل لا تموت عند النشر، بل تبدأ حياتها الحقيقية في عقول الآخرين. هنا تكمن الخطورة، حين يُصنع المحتوى بدافع الشهرة وحدها، أو بدافع “الترند”، دون وعي بنتائجه النفسية والاجتماعية، فيتحول من وسيلة تواصل إلى عبء أخلاقي.

نرى اليوم مشاهد تُبث بلا تفكير، كلمات تُقال بلا مسؤولية، وقضايا إنسانية تُختزل في دقائق من الاستعراض. يظن صانع المحتوى أنه يعرض نفسه فقط، بينما في الحقيقة يعيد تشكيل مفاهيم، ويزرع أفكارًا، ويطبع سلوكيات قد لا يدرك أثرها إلا بعد فوات الأوان. فليس كل ما يُشاهَد يُحتمل، وليس كل ما يُضحك بريئًا، وليس كل ما يُتداول صحيحًا.

التأثير بلا وعي يشبه السير في طريق مزدحم دون إشارات؛ قد تصل، لكنك ستترك خلفك فوضى. والوعي هنا لا يعني الوعظ أو التقييد، بل يعني إدراك أن الكلمة أمانة، والصورة موقف، والصمت أحيانًا أكثر حكمة من النشر.

لسنا ضد الإبداع، ولا ضد الجرأة، ولا ضد الاختلاف، لكننا ضد الفراغ القيمي، وضد تحويل الإنسان إلى مادة استهلاكية، وضد استغلال الألم والجهل والضعف من أجل أرقام عابرة. فالقيمة الحقيقية للمحتوى لا تُقاس بعدد المشاركات، بل بقدر ما يضيفه من وعي، أو يخففه من أذى.

المؤثر الحقيقي ليس من يملك جمهورًا كبيرًا، بل من يملك ضميرًا حاضرًا. وليس كل من صعد سريعًا يستحق البقاء، فالبقاء للأثر النظيف، لا للضجيج.

في النهاية، سيُنسى كثير مما نراه اليوم، لكن ما يُزرع في الوعي يبقى. فاختر ما تزرع، لأن التأثير بلا وعي… قد يكون عبئًا أخلاقيًا لا يُغتفر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى