الجيل القديم… حين كانت القيم تُربّى قبل أن تُنشر

لمياء المرشد

حين كانت البيوت حصونًا، لا جدرانًا فقط، وحين كان الكبار مدارس تمشي على الأرض، نشأ جيلٌ لم يتعلّم المصطلحات بقدر ما عاش المعاني. جيلٌ لم يعرف «النرجسية» ولا «الاستحقاق» ولا «الفردانية»، لكنه عرف بالفطرة كيف يكون الإنسان إنسانًا، وكيف يكون الاحترام أسلوب حياة لا شعارًا عابرًا.

الجيل القديم لم يُربَّ على الهروب من المسؤولية، بل على حملها بصمت. لم يكن يرفع صوته ليُسمع، بل كان فعله يتكلم عنه. كانوا يدركون أن الغنى ليس في كثرة ما يملكون، بل في الاكتفاء، وأن العزة لا تعني الاستغناء عن الناس، بل الاستغناء عمّا يُنقص الكرامة.

كانت حياتهم دروسًا يومية، ومجالسهم مدارس أخلاق. يُجلّون الكبير، ويرحمون الصغير، ويعرفون للجار حقه، وللكلمة وزنها. لم يخرجوا علينا بفلسفات العصر، ولم يتباهوا بما يفعلون، لأن الخير عندهم يُفعل لوجه الله لا لعدسة الكاميرا.

لم يكن يومهم يبدأ بسؤال: كم شاهدوا؟

ولا ينتهي بهاجس: كم أعجبوا؟

كانوا يعيشون الحياة كما هي، بلا فلاتر، بلا استعراض، وبلا تسويقٍ لكل تفصيلة. لم يعرفوا فقر الجيوب بقدر ما عرفوا غنى النفوس، ولم يشتكوا من قلة الحظ، بل سعوا وكأن الرزق وعد لا شك فيه.

أما اليوم، فقد تغيّرت الموازين؛ صار بعضنا يقيس القيمة بعدد المتابعين، ويمنح الاحترام لمن يُتقن الظهور لا لمن يُتقن الحضور. تسللت المظاهر، وتراجعت المعاني، وأصبح الصوت العالي أسبق من الفعل الصادق، وصارت الأخلاق عند البعض خيارًا لا ضرورة.

الجيل القديم لم يكن مثاليًا، لكنه كان صادقًا مع نفسه. أخطاؤه بشرية، وقيمه ثابتة، ونيّته أوضح من كل ادعاء. علّمنا أن الكرامة لا تُساوَم، وأن الصبر قوة، وأن القليل المبارك خير من الكثير الفارغ.

رحم الله ذلك الجيل…

جيلٌ كان الميزان فيه للفعل لا للضجيج،

وللمعدن لا للمظهر،

وللأخلاق قبل كل شيء .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى