السرد القصصي ودوره في العلاج النفسي والسلوكي

بقلم/ مضاوي دهام القويضي
كاتبة سعودية

يُعدّ السرد القصصي (Narrative Therapy) من الأساليب العلاجية الفعّالة في مجال الصحة النفسية، إذ يعتمد على قدرة الإنسان على سرد قصته الخاصة لفهم تجاربه ومشاعره بشكل أعمق. لا يقتصر دوره على مجرد التعبير عن الذات، بل يمتد ليشمل إعادة صياغة الروايات الداخلية التي قد تكون سلبية أو مُشوَّهة، مثل “أنا فاشل” أو “لا أحد يحبني”، واستبدالها بروايات أكثر إيجابية وتمكينًا.

في جلسات العلاج، يُشجَّع المريض على سرد أحداث حياته كقصةٍ مترابطة، ما يمنحه مسافةً آمنة للنظر إلى مشكلاته من زاويةٍ جديدة. هذه المسافة تُقلل من التماهي مع الأعراض النفسية، وتفتح المجال أمامه لاستكشاف نقاط القوة والنجاح في حياته، حتى لو كانت صغيرة. كما أن عملية السرد تُعزز الإحساس بالهوية والانتماء، وتساعد في تنظيم الفوضى العاطفية التي غالبًا ما تصاحب الاضطرابات النفسية.

ومن الناحية السلوكية، يُسهم السرد القصصي في تعديل الأنماط السلوكية غير الصحية، عبر ربط السلوكيات بسياقاتها القصصية. فعندما يدرك الفرد كيف شكّلت تجاربه السابقة ردود أفعاله الحالية، يصبح أكثر قدرة على اختيار استجابات جديدة وأكثر تكيفًا.

باختصار، لا يُعالج السرد القصصي الماضي فحسب، بل يبني مستقبلًا نفسيًّا أكثر مرونة ووعيًا. إنه جسرٌ بين الألم والشفاء، وبين الصمت والتعبير، يُعيد للفرد وكالته على حياته، ويُذكّره بأنه ليس مجرد ضحية لظروفه، بل كاتب قصته القادرة على التغيير.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى