أمي… حين كانت القوة، وحين صار الضعف امتحانًا

لمياء المرشد
كانت أمي شيئًا عظيمًا في حياتنا،
لم تكن امرأة عابرة في بيت، بل كانت نظامًا كاملًا،
كانت تجعل من بيتنا يمشي كساعةٍ لا تتأخر ولا تختلّ.
قوية، صارمة، ذات هيبة…
تقود بيتًا امتلأ بالذكور أكثر من الإناث،
فكانت القائدة، وكانت الحَكم، وكانت الأمان.
أمي لم تكن ترفع صوتها كثيرًا،
لكن حضورها وحده كان كافيًا ليصنع الانضباط،
وكأنها خُلقت لتكون عمود البيت الذي لا يميل.
علّمتنا أن القوة ليست قسوة،
وأن الحزم ليس ظلمًا،
وأن الأم حين تكون واعية، تكون أمة.
مرّت السنين…
وكبرنا نحن، وكبرت هي.
لكن شيئًا ما تغيّر،
لم يطرق الباب، بل اقتحم الذاكرة.
مرض الزهايمر جاءها بقوةٍ خارقة،
خانتها ذاكرتها، لا إرادتها.
أسقط منها أسماء، وخلخل ملامح،
وأعادها ـ قسرًا ـ إلى مرحلة الطفولة.
اليوم، أنظر إليها فأبحث عن تلك المرأة القوية،
فأجدها…
لكنها مختبئة خلف نسيانٍ موجع.
لم تضعف أمي،
الذي ضعف هو الجسد،
والذي تعب هو العقل،
أما الروح… فما زالت عظيمة.
أقف متسائلة:
إلى أين نحن، أبناء الأبناء؟
هل نملك من الصبر ما يكفي؟
هل نردّ الجميل؟
هل نُعيد لها بعض ما منحتنا،
حين كانت تحملنا ونحن ضعفاء،
واليوم نحملها وهي تعود طفلة؟
أمي لم تتغير…
نحن الذين نُختبر.
نُختبر في البر، في الرحمة، في الوفاء.
فالمرأة التي كانت أقوى الأمهات،
لا تزال كذلك،
لكن قوتها اليوم تُقاس بمدى حبنا لها،
وبقدرتنا على احتوائها،
لا بذاكرتها.
رحمك الله حيّةً فينا يا أمي،
وجعل خدمتَك شرفًا،
والصبر عليك عبادة،
فأنتِ لم تكوني يومًا امرأة عادية،
كنتِ وطنًا…
والوطن لا يضعف،
بل يُحاط بالحب أكثر حين يشيخ 🤍



