تراهم ركعًا سجدًا

الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– في مشهدٍ اختاره الله بنفسه ليكون أبلغ تعريفٍ لعباده الصادقين، قال: «تراهم ركعًا سجدًا»… فلم يصفهم بكثرة القول، ولا بضجيج الفعل، بل بلحظة الخضوع الأعظم، لحظة السجود.
السجود ليس حركة جسد، بل ارتقاء روح. هو الموضع الذي تذوب فيه المسافات بين العبد وربه، وتصل فيه البرقيات الإلهية بأسرع ما تكون، لأن العبد حينها في أقرب حالاته إلى خالقه. هناك، حيث الجبهة على الأرض، والقلب في السماء.
ما أجمل السجدة الصادقة حين تخالطها دموع السحر، في ظلمة ليلٍ هادئ، لا شهود فيه إلا الله، ولا صوت يُسمع سوى همس الحاجة، وصدق الرجاء. سجدةٌ لا تُرى، لكنها تُكتب، ولا تُعلن، لكنها تُرفع.
في تلك اللحظات، يُولد الأنس بالله، وتُزرع لذة المناجاة، ويشعر القلب أن له ملاذًا لا يخيب، وركنًا لا يخذل. سجدة واحدة قد تُبدل حالًا، وتفتح بابًا، وتُعيد ترتيب الروح من جديد.
ومع اقتراب رمضان، وبقاء أيام معدودة تفصلنا عن شهر الرحمة والنور، تتجدد الدعوات، وتلين القلوب، وتشتاق الأرواح إلى مواسم القرب. بقي ثلاثة وعشرون يومًا، لكنها كفيلة بأن توقظ فينا الشوق، وتُعيدنا إلى أول الطريق: طريق السجود.
اللهم ارزقنا الأنس بك، ولذة مناجاتك، وصدق السجود بين يديك، وبلّغنا رمضان ونحن أقرب إليك مما كنا.



