عندما يغيب الأمان يغيب معه صاحبه

بقلم : الإعلامي صالح المحجم

حين احتجتُ إلى أحد لم يكن أحد هناك ، كنتُ وحدي في أكثر اللحظات ازدحامًا بالوجع أتعلم الصبر قسرًا وأجمع نفسي من بين الخيبات كما يُجمع الزجاج المكسور بحذرٍ وبأيدٍ مرتجفة حتى لا أنزف أكثر
لم أصل إلى هذه القسوة اختيارًا ولا وقفت بهذا الثبات حبًّا في الوحدة ؛ بل لأن السقوط كان عميقًا؛ ولأن النداء تكرّر طويلًا، ولم يُجب أحد.
اليوم لا أحتاج إلى أحد ، لا لأنني مكتفٍ ، ولا لأن قلبي غنيّ عن البشر؛ بل لأن قلبي تعلّم كيف يقف وحده، كيف يسند نفسه حين تتخلى الأكتاف، وكيف يرمم تصدعاته دون شهود .

لا أطلب العون ، ولا أمدّ يدي انتظارًا لمواساة، فقد جرّبت أن أمدّها كثيرًا، وعادت فارغة أثقل من الخيبة نفسها
أعرف في داخلي أن هذا ليس قوّة ولا بطولة تستحق الإعجاب إنه أثر نجاة نجاة بلا ترف ، بلا رفاهية الاختيار، بلا تصفيق
هو أن تعيش لأنك لم تمت، وأن تستمر لأن التوقف لم يكن خيارًا، وأن تبتسم لأن الانكسار العلني كان سيقضي عليك
الوحدة مرّة ، نعم لكنها صادقة.
لا تعدك بشيء ثم تخذلك ، لا تمنحك أملًا مؤقتًا ثم تسحبه.
هي قاسية لكنها لا تخون.
خذلان البشر هو ما هدّل أكتافي
هو ما جعلني أنفض يدي منهم
لا كرهًا
بل وقاية
غسلت قلبي من الرجاء فيهم ، لأن الرجاء حين يُكسر لا يترك شقًا ، بل يترك هوّة.
ومن ذاق الغياب في وقت الحاجة لا يعود يؤمن بسهولة، ولا يمنح ثقته بلا حساب
تعلمت أن أكون سندي ، أن أواسي نفسي بنفسي، أن أُصلح ما أفسده الآخرون
وأكمل الطريق وأنا أعرف جيدًا أن هذا العالم لا يُنقذ أحدًا إلا من تعلّم أن ينقذ نفسه أولًا.
هذا ليس إنكارًا للحب ولا رفضًا للناس ، إنه فقط وعيٌ متأخر بأن بعض القلوب حين تُترك وحدها طويلًا تنمو على الاكتفاء.
لا لأنها تريد بل لأنها اضطُرّت
ومن نجا وحيدًا لن يعود كما كان سيظل واقفًا لكن بروحٍ تعرف تمامًا أن الاعتماد على الذات ليس فضيلة بل جرحٌ تعلّم أن يمشي.

وفي النهاية ، لا أبكي لأنني كنت وحيدًا ، بل لأنني تعلمت متأخرًا ، أن بعض النداءات لا يسمعها أحد ، وأن بعض القلوب تُترك لتنضج بالألم لا بالحب.
ما يؤلمني حقًا ليس غيابهم بل أنني حين احتجتهم كنت حاضرًا بكل ضعفي ، وكانوا غائبين بكل قدرتهم.
كبرتُ لا لأن السنوات مرّت ، بل لأن الخذلان علّمني كيف أشيّع الأمل دون ضجيج
وكيف أدفن الثقة بيدين ترتجفان ولا تعودان.
سأكمل الطريق لا لأنني قوي بل لأنني تعبت من السقوط.
وسأظل واقفًا لكنني أعلم في داخلي أن شيئًا ما مات هناك ، في اللحظة التي أدركتُ فيها أن النجاة كانت وحيدة وحزينة وبلا شهود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى