أنا خيرٌ منه فكرة الشيطان الأولى لتدمير العلاقات

د مونس شجاع
دكتوراه بالتخطيط الإستراتيجي

لا يشك عاقل بأنه ومنذ الأزل بأنه هناك دائماً صراع بين الخير والشر وبين الحق والباطل وهذا الصراع مستمر ومتكرر على مر العصور والأزمان ، فلا تكاد تمر بنا أي حقبة تاريخية إلا ونرى خلالها عدة صراعات ومشاكل وكوارث مرت بمن عاشوا بتك الحقبة الزمنية بل أن آثارها وتبعياتها قد امتدت من حقبة زمنية لأخرى !

وعند التعمق في دراسة تلك الطاقة التي تمثل المحرك الرئيسي الذي يقبع خلف منهج الشر وبالذات حينما يتعامل الإنسان مع مثيله الإنسان نشاهده خلال الصراعات والخلافات الكبيرة سواء كانت حروب بين الدول المختلفة الأعراق واللغات أو الخلافات بين أعضاء الوطن الواحد والتاريخ المشترك والحياة الواحدة بل حتى إذا تتبعنا الأمر لأقل من ذلك سنرى أثر ذلك الشر على مستوى أبسط ففي حياتنا العملية كثيراً ما نواجه تغيراً في الموقف أو هجوماً غير واضح أو معروف الأسباب بين أعضاء الفريق الواحد أو بين الموظف وإدارته أو العامل وصاحب العمل !

طاقة الشر

بل إن تلك الطاقة الشريرة تؤثر حتى على مستوى الحياة الاجتماعية والأسرية التي باتت تعصف بها الفتن والمحن فما نشاهده من قضايا وخلاف بين الأزواج أو فراق بين الأحباب بشكل شبه يومي في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث فلا نجد أمامنا سوى العديد من القصص والحكايات التي تشوش التفكير ويحتار بها العقل ، فتزدحم العقول بالأفكار التي تحاول تبرير ذلك الفراق وتلك الخلافات ، ويقف الإنسان حائرًا أمام تلك صراعاته ، متسائلًا عن مصدر تلك الأفكار السوداوية والمشاعر السلبية التي تبدلت بصورة درامية خلال مدة وجيزة بين الأهل والأحباب وما تلاها من أفعال مؤلمة قد لا يجد لها تفسيرًا منطقيًا معقولاً بين أناس يفترض بأنهم متساوون ومتصالحون فكلاهما بشر وكلاهما يملكون نفس التكوين الإنساني من جسم ومشاعر و أفكار وطموحات وآمال!

ومن خلال دراستي لعلم النفس وحصولي على الدرجة الجامعية بذلك التخصص قبل أن أتحول بعدها إلى العلوم الإدارية بالدراسات العليا ، كان هدفي من خوض غمار ذلك العلم محاولة الفهم العميق للإنسان وآلية عمله ، فالإنسان ذو التكوين العجيب الذي أبدعه الله وفضله على سائر المخلوقات كائن معقد التفاصيل ومتشعب الارتباطات ولا أنكر بأنني قد استفدت من ذلك العلم حتى في الجانب الإداري فالإدارة تتعامل مع بشر سواء موظفين أو عملاء والذين بدورهم هم أشخاص ولهم سلوكيات ودوافع ولهم محفزات و عقوبات وقد فادني علم النفس بصورة كبيرة لفهم ما وراء كثير من الأحداث أثناء مسيرتي المهنية خلال أكثر من خمسة وعشرون عاماً من العمل في أرمق المؤسسات المالية وغيرها من القطاع الخاص .

الإنسان بين اطروحتين

كان الجدال النفسي بين العلماء وما زال عند تفسير دوافع السلوكيات الشريرة للبشر ما بين فرضيتين يتم التجاذب بينهما وهما مقاربتان رئيسيتان: الأطروحة الموقفية والأطروحة النزعوية. الفرق بينهما يكمن في كيفية تفسير سبب تصرفات الأفراد والقادة ، فهل تعود إلى عوامل داخلية متأصلة في الشخص وسماته الشخصية ، أم إلى عوامل خارجية متعلقة بالموقف ولتبيين الفارق الكبير بينهما نوضح التالي :

الأطروحة الموقفية The Situational Thesis تفترض أن السلوك البشري يتحدد بشكل أساسي بالعوامل البيئية والمواقف التي يجد فيها الفرد نفسه، وليس بسماته الشخصية المتأصلة

الأطروحة النزعوية (The Dispositional Thesis)تفترض أن السلوك البشري ينبع أساسًا من السمات الشخصية، والاستعدادات الفطرية، والخصائص النفسية المستقرة للفرد، بغض النظر عن الموقف.

الاستكبار فكرة الشيطان الأولى ” أنا خيرُ منه ”

ولكوني شخص مسلم مرجعي كتاب الله وسنة نبيه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين فقد تعمقت في البحث من خلال القراءة المطالعة للعديد من المؤلفات الإسلامية الزاخرة و كذلك العالمية التي ناقشت الشر وآلية عمله وما سبق ذلك من نظريات فلسفية ما قبل الميلاد والتي فسرت أسباب الشر ومحركاته ، وقد وصلت لنتيجة كانت معروفة مسبقاً لدي ولدى العديد من الناس وبالأخص المؤمنين من الأديان السماوية أن للشيطان دور فعال ومحوري ورئيسي لتأجيج ذلك الشر بين البشر وما يزال حتى قيام الساعة فهو يعمل بكل إجتهاد وتفاني لإضلال الإنسان وتدميره وفق منهج كبير ومتعدد الأوجه والمجالات كما أخبرنا الله جّل في علاه بذلك في محكم تنزيله بالقرآن الكريم عندما طلب منه إبليس أن يكون من المنظرين حتى قيام الساعة ( قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ )

الشيطان للاعب الأكبر القوي الخفي

فمنذ الأزل ، كان مفهوم الشيطان حاضرًا في وجدان البشرية وتاريخها ليس فقط كرمزٍ للشر ، ولكن كقوة تعمل بأساليب خفية لاختراق النفس البشرية وإغوائها لتحويل الشخص الخيّر بطبعه إلى شخص شرير جداً وخطير ليس على نفسه فحسب بل وعلى المجتمع كذلك ، فالشيطان لا يأتي بشكل مباشر ليطلب من الإنسان أن يسقط في الظلام ، بل يتسلل بهدوء إلى زوايا العقل ، يزرع الشكوك ويغذي المخاوف ، ويحول الرغبات المشروعة إلى إدمانٍ مدمر ويحول المنظمة التي كانت هدفاً للقيم والعدالة إلى منظومة عنصرية للتفرقة والقتل ، إنه أستاذٌ في فن التأثير النفسي، وأعظم مُتقنٍ لفن الإقناع الخفي فهو لا يدفعك لذلك التحول من خلال الإجبار أو أن يخرج عليك بسلاح ناري لتفعل فعلتك الشريرة ، بل يقوم بالتخطيط الممنهج نظراً لخبرته العريقة في ذلك المجال مع تهيئة الأسباب وتزيينها كي تسقط في براثن الخطيئة وتعتدي على الآخرين أو أن تسلب حقوقهم وأنت مقتنع تماماً أن ما تقوم به هو خيرُ محض وانك أنت الأفضل والآخر لا !!

” فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ”

من الآية الكريمة يتضح لنا أن الإنسان هو المسؤول عن قراراته وهو المتحكم بها وسلوكياته وما كان الشيطان ولا يملك سوى ان يوسوس لك وأنت من تطيعه أو أن ترمي ما ينزعك به خلفك بعد الاستعاذة بالله قال تعالى ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) ، فالشيطان لا يعمل بطرق مباشرة أو مكشوفة للعيان ، بل يعتمد على التأثير الخفي الذي يتسلل إلى النفس البشرية والمجتمعات بطريقة تدريجية ومدروسة ومنهجية سواء على المستوى الفردي أو الجماعي ، كما أنه يستخدم أساليب نفسية و فكرية وروحية للتحقيق أهدافه وتدمير المجتمعات و القيم الإنسانية النبيلة ولعل أهمها تدمير العلاقة الزوجية أو حتى تدمير مشروع الزواج حتى قبل أن يبدأ والتفريق بينهم قال صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يفرح الشيطان ” يجيءُ أحدُهم فيقولُ : ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينَه وبين أهلِه ، فيُدْنِيه منه ، ويقولُ : نعم أنتَ ” صحيح الجامع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى