رمضان ليس موسماً للكلمات بل ميزاناً للعدل

بقلم الإعلامي صالح المحجم
مع التحية والاحترام والتقدير إلى جميع خطباء المساجد
ونحن على أعتاب شهر رمضان المبارك تتجه القلوب إلى الله وتتهيأ النفوس لموسم الطهر وتفتح أبواب المساجد كما تفتح أبواب الرحمة وتنتظر الناس كلمة مختلفة توقظ الضمير قبل أن تكرر المألوف
لسنا بحاجة كل عام إلى تكرار أن رمضان شهر الصيام والقرآن فذلك يسكن في وجدان الجميع ولكننا بحاجة إلى خطاب يلامس واقع الناس ويعيد ترتيب الأولويات ويذكرهم أن الدين ليس طقوساً تؤدى ثم تنسى بل أخلاق تعاش وعدل يقام وحقوق تصان.
حدثوهم عن طاعة ولاة الأمر وأن الاجتماع نعمة وأن البيعة مسؤولية تحفظ الأوطان وتصون الاستقرار، وأن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية
حدثوهم أن من يصوم في بيت اغتصبه أو يفطر على مال منهوب لا يكتمل صيامه ولا تزكو صدقته فالله طيب لا يقبل إلا طيباً
ذكروهم أن من كانت عليه مظلمة فليعد الحقوق إلى أهلها قبل أن يمد يده بزكاة أو صدقة فحقوق العباد لا تسقط بكثرة الركوع والسجود
قولوا لهم إن من يمنع إخوته من الميراث ويأكل حقهم أو يعتدي على المال العام أو يتحايل على أموال الناس لن يصلح صيامه ما أفسده ظلمه
أخبروهم أن المال الحرام لا تخرج منه زكاة ولا صدقة وأن البر لا يبنى على باطل
أخبروهم أن صلة الأرحام ليست موسماً عابراً وأن بر الوالدين ليس كلمات تقال بل أفعال ترى
ذكروهم بحقوق الجار والعامل والخادم وبمسؤوليتهم تجاه أبنائهم وأن العدل في البيوت قبل العدل في الطرقات
حدثوهم أن التشدد في الدين المتمثل في الغلو والتنطع والزيادة على ما شرعه الله أمر منبوذ ومحرم وأن النبي ﷺ قال هلك المتنطعون
بينوا لهم أن الإسلام دين وسطية ورحمة وأن الغلو في العبادات أو تحريم ما أحل الله ليس ورعاً بل خروج عن المقصد الشرعي
اذكروا لهم ما قرره سماحة عبد العزيز بن باز رحمه الله من أن الواجب هو الاتباع دون ابتداع وأن التشدد يضر بالمسلم ويشق عليه ويخالف هدي النبي ﷺ وأن خير الأمور أوسطها وأن هذا الدين يسر لا عسر
قولوا لهم إن احتكار السلع ظلم وإن إيذاء الطريق نقص في الإيمان قبل أن يكون مخالفة
بينوا لهم أن الدين معاملة وأن الصلاة والصيام والزكاة والحج لا تؤتي ثمارها إن لم تثمر رحمة وعدلاً وصدقاً
ذكروهم أن ما بين العبد وربه عظيم وأن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب وأناب ولكن مظالم العباد لا فكاك منها إلا برد الحقوق والتوبة الصادقة وأن الدماء التي حرم الله حسابها عسير يوم يقوم الناس لرب العالمين
حدثوهم عن بساطة الخير وأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة وأن الكلمة الطيبة صدقة وأن التبسم في وجه أخيك صدقة وأن الرفق بالحيوان صدقة وأن إدخال السرور على قلب إنسان صدقة
حدثوهم بما يصلح المجتمع ويزيل الأحقاد والضغائن ويربي في القلوب خوف الله قبل خوف الناس
نريد منابر تبني ولا تفرق تصلح ولا تكتفي بالوعظ العابر توقظ الضمائر ولا تخدرها بكلمات محفوظة
نريد رمضان يغير السلوك لا مواعيد الطعام فقط ويبدل القلوب لا جداول النوم فقط
فما أقسى أن ينقضي الشهر وتطوى المصاحف وتعود الخصومات كما كانت وتبقى المظالم في مكانها وتبقى الحقوق ضائعة وتبقى القلوب كما هي
وما أشد الحزن أن نصوم عن الطعام والشراب ولا نصوم عن الظلم وأن نقف في الصفوف متراصين بينما بيننا قلوب متباعدة وحقوق مسلوبة ودموع صامتة لا يسمعها أحد
عندها لن يكون الخلل في رمضان
بل فينا نحن
وسيمضي الشهر شاهداً علينا لا لنا
وكم هو موجع أن يرحل رمضان وهو لم يغير فينا شيئاً



