شهر رمضان فرصة للتشافي والقرب من الله

ربيعة الحربي_الرياض
رمضان ليس مجرد شهرٍ في التقويم الهجري، بل هو موسمٌ سنويٌّ للتجديد الروحي والتشافي النفسي والعودة الصادقة إلى الله. في هذا الشهر المبارك تتغيّر وتيرة الحياة، ويشعر المسلم أنّه أمام فرصة استثنائية لمراجعة ذاته، وترميم قلبه، وتصحيح مساره. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فجعل الغاية من الصيام تحقيق التقوى، وهي أسمى درجات الوعي بالله ومراقبته في السر والعلن.
في رمضان تتجلّى معاني الرحمة والمغفرة، فقد قال النبي محمد ﷺ: «إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين». هذه الأجواء الإيمانية تمنح القلب مساحةً للتخفف من أعباء العام، ومن تراكمات الذنوب والهموم. الصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريبٌ عميق على ضبط النفس، وكبح الشهوات، وتهذيب السلوك. وحين يجوع الجسد، تستيقظ الروح، ويشعر الإنسان بحقيقة ضعفه وحاجته إلى خالقه.
التشافي في رمضان يتجلى في أكثر من بعد. فهناك تشافٍ روحي يتحقق من خلال الإكثار من الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والقيام. لحظات السحر قبل الفجر، والدعاء عند الإفطار، وصلاة التراويح في المساجد، كلها محطات إيمانية تُعيد للإنسان طمأنينته الداخلية. كما أن الصدقة وصلة الرحم والتسامح مع الآخرين تفتح أبواب النور في القلب، وتحرره من مشاعر الغضب والحقد.
أما التشافي النفسي، فيأتي من إحساس الإنسان بأنه قادر على التغيير. حين ينجح في صيام يومٍ كامل، ويغلب عاداته السلبية، يشعر بقوة الإرادة والثقة بالنفس. رمضان يعلّمنا الصبر والانضباط، ويعيد ترتيب أولوياتنا؛ فنكتشف أن كثيرًا مما نظنه ضروريًا ليس كذلك. يقلّ التعلق بالماديات، ويزداد التعلق بالقيم والمعاني
ومن أعظم ما يميز رمضان أنه فرصة للقرب الحقيقي من الله. ففيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر، هي ليلة القدر، التي يتنزّل فيها السلام والرحمة. من أحياها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه. وهكذا يصبح الشهر كله رحلةً نحو الصفاء، يبدأ بالتوبة وينتهي بعهدٍ جديد مع الله.
إن رمضان دعوة مفتوحة للتجدد، وموسمٌ لمن أراد أن يبدأ صفحةً بيضاء في حياته. فمن أحسن استقباله، وأخلص فيه النية، خرج منه بقلبٍ أنقى، وروحٍ أقرب إلى الله، وإرادةٍ أقوى لمواصلة طريق الخير بعد انقضائه



