أين اختفى صوتي؟

دانيه وليد الحربي

استيقظ عبد الرحمن ذات صباح، ووجد أن صوته قد اختفى!
حاول أن يتكلم فلم يستطع، فجلس على سريره متفاجئًا. حاول أن يطلب فطوره، فلم يخرج أي صوت. أراد أن ينادي أمه، لكن أحدًا لم يسمعه. حاول أن يذكر ربه، لكن… يا إلهي! لا صوت.
نهض من سريره ودخل على أمه في المطبخ، حاول أن يلقي عليها السلام، لكن… يا إلهي، صوته غير مسموع!
خرج إلى الشارع، فرأى عامل النظافة الذي كان كثيرًا ما يستهزئ به ويؤذيه بالكلام، حتى إن العامل عندما رآه هذه المرة أسرع مبتعدًا عنه هربًا من كلماته القاسية.
لحقه عبد الرحمن محاولًا أن يكلمه ويعتذر، لكن… يا إلهي، صوته غير مسموع!
وقف عبد الرحمن والدموع تنهمر على خديه. مشى قليلًا، فرأى جارهم العجوز الذي كان يتجاهله دائمًا، ولا يلقي عليه السلام، وحتى عندما كان يطلب مساعدته لعبور الطريق كان يعتذر بأعذار كاذبة.
تمنى عبد الرحمن لو يستطيع الاعتذار منه الآن، فتقدم إليه، وقبّل رأسه، فوقف الجار مدهوشًا، لا يدري ما الذي أصاب عبد الرحمن.
عاد عبد الرحمن إلى المنزل، ودخل غرفته، وجلس على سريره حزينًا، ثم بدأ يتذكر:
كم مرة رفعت صوتي دون حاجة؟
وكم مرة نسيت الكلمة الطيبة؟
كم مرة رفعت صوتي على من هو أكبر مني؟
وكم تكاسلت عن الأذكار وقراءة القرآن؟
كم كلمة سيئة نطقت بها؟
بكى بحرقة، لكن حتى مع البكاء… لا صوت.
قام فتوضأ، وصلى ركعتين لله، ودعا ربه، وهمس في قلبه:
«يا رب، علّمني شكر نعمك عليّ».
وعاهد نفسه أن يشكر نعمة الله، وألا يرفع صوته إلا بحق، وأن يحترم والديه وكبار السن، وألا يقول إلا الصدق والخير.
وفجأة سمع صوت أمه تناديه:
«عبد الرحمن، يا بني، لقد أذن الفجر، استيقظ لتلحق بالصلاة مع الجماعة».
فتح عينيه، وحاول أن يتكلم:
«الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور».
يا إلهي! هذا صوتي! لقد عاد صوته!
حمد الله كثيرًا، وعلم أن كل ما حدث كان حلمًا.
قام فتوضأ، وقبّل رأس أمه، واعتذر لها عن تقصيره، ثم ذهب إلى المسجد، فصلى الفجر، وذكر الله، وقرأ ما تيسر من القرآن.
رأى الجار العجوز، فأمسك بيده وساعده على عبور الطريق، وكلمه بكلام طيب.
وفي المدرسة، طلب من المعلم أن يسمح له بإلقاء كلمة قصيرة عن نعمة الكلام، فابتسم المعلم وقال:
«بكل سرور يا عبد الرحمن».
وقف عبد الرحمن أمام زملائه وقال:
«أصدقائي، أعطانا الله نعمة الكلام لنعبّر بها عن الخير، ونفرح بها الآخرين، ونذكر الله ونشكره. الكلمة الطيبة صدقة، أما الكلمة السيئة فتؤذي القلوب. فلنتعلم أن نقول خيرًا، وإن لم نجد كلامًا طيبًا فالصمت أفضل، فكل نعمة تستحق الحمد، وشكر النعم يحفظها».
صفق له زملاؤه، وشكره المعلم على كلماته الجميلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى