التسامح المؤجل… خسارة لا يعوضها الزمن

 

الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد

– مع بداية شهر رمضان، لا يتغير الوقت فقط، بل تتغير القلوب أيضًا. تهدأ الضوضاء قليلًا، ويقترب الإنسان من ذاته أكثر، وكأن هذا الشهر الكريم يأتي كل عام ليمنحنا فرصة جديدة لمراجعة ما أثقل أرواحنا خلال العام؛ خصومات طال أمدها، وكلمات جميلة لم نقلها، •   اعتذارات لم نجد الشجاعة لقولها في وقتها

نعيش أحيانًا وكأن العلاقات مؤجلة، وكأن من نحب سيبقون دائمًا في أماكنهم ينتظرون منا لحظة صفاء أو كلمة حانية. لكن الحياة تذكّرنا بين حين وآخر أن الراحلين لا يستأذنون، وأن بعض الفرص لا تعود، وأن القلوب التي نهملها قد تمضي بصمت تاركة خلفها فراغًا لا يُعوَّض.

رمضان ليس شهر الصيام عن الطعام فقط، بل صيام عن القسوة، وعن العناد، وعن تراكم المشاعر السلبية التي تثقل الروح. هو موسم التسامح والتصافي، حين يصبح الصفح قوة لا ضعفًا، والاعتذار شجاعة لا انتقاصًا، والمبادرة بالخير علامة نضج إنساني قبل أن تكون واجبًا أخلاقيًا.

كم من علاقات كان يمكن أن تستمر لو بادر أحد الطرفين بكلمة صادقة؟ وكم من جروح بقيت مفتوحة لأننا حاولنا تجاوزها ظاهريًا دون أن نُطهّرها من الداخل؟ فالعلاقات لا تُصلحها الأيام وحدها، بل تصلحها القلوب حين تختار الصفاء.

في رمضان، تتسع موائد الطعام، لكن الأجمل أن تتسع الصدور. نحتاج أن نُمسك بأحبابنا جيدًا، وأن نخبرهم بما يعنيه وجودهم في حياتنا، وأن نغلق أبواب الحقد قبل أن تغلق الأيام أبواب اللقاء.

فالحياة أقصر من أن تُستهلك في الخصام، وأثمن من أن تضيع في حسابات صغيرة. وفي النهاية، لن يبقى منا إلا الأثر الطيب، وذكرى ابتسامة، وموقف سامحنا فيه رغم قدرتنا على العتاب.

رمضان جاء…

فليكن بداية جديدة لا لأيامنا فقط، بل لقلوبنا أيضًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى