نصف قرن من الوفاء… حكاية رفاق المهنة الذين صنعوا الزمن الجميل

بقلم العميد م./ ندى الخمعلي
في زمن تتبدل فيه الوجوه وتتسارع فيه الأعوام، يبقى لبعض العلاقات طابع استثنائي لا تمحوه الأيام ولا تُغيّره الظروف.
خمسون عامًا مضت منذ أن بدأنا حياتنا العملية معًا؛ شبابًا يحملون الأحلام في حقائب بسيطة، وطموحًا أكبر من حدود المكان والزمان. واليوم، وبعد نصف قرن من العطاء، نقف وقفة فخر وامتنان نحتفل برحلة لم تكن مجرد مسيرة عمل، بل قصة أخوّة صادقة كتبتها المواقف قبل الكلمات.
لم تكن السنوات دائمًا سهلة؛ عشنا الحلو بامتنان، وتجاوزنا المرّ بثبات واجهتنا تحديات العمل وتقلبات الحياة، وضغوط المسؤوليات، لكننا كنا لبعضنا السند والعون. إذا ضاقت بأحدنا الأيام، وجد في الآخر كتفًا يتكئ عليه، وإذا أشرقت شمس إنجاز تقاسمنا الفرح وكأنه إنجاز شخصي لكل واحد منا.
جدید
خمسة عقود من الصداقة الحقيقية علمتنا أن النجاح لا يُقاس بالمناصب فقط، بل بصدق العلاقات وبالأثر الطيب الذي نتركه في القلوب قبل الملفات. كنا إخوة قبل أن نكون زملاء، تجمعنا قيم
الأمانة والإخلاص، ويقودنا الاحترام المتبادل وروح الفريق. اختلفنا أحيانًا، لكننا لم نفترق. تباينت آراؤنا، لكن مقصدنا ظل واحدًا: العمل بإتقان، والحفاظ على الود الذي نشأ منذ البدايات.
واليوم، ونحن نحتفل بمرور نصف قرن على انطلاقتنا الأولى نستعيد صور البدايات المكاتب البسيطة، الاجتماعات الأولى الضحكات العفوية، وحتى لحظات التعب التي صارت الآن ذكرى جميلة. نرى في وجوه بعضنا تجاعيد الزمن، لكنها تجاعيد فخر، تشهد على سنوات من البذل والعطاء.
إنها ليست مجرد ذكرى مرور خمسين عامًا، بل شهادة على قيمة الوفاء في زمن قل فيه الثبات. شهادة على أن الأخوة الصادقة قادرة على أن تصمد أمام اختبارات الحياة، وأن العمل حين يُبنى على المحبة والصدق يتحول إلى رسالة سامية تتجاوز حدود الوظيفة.
نمضي اليوم ونحن أكثر نضجا وامتنانا، نحمل في قلوبنا رصيدًا لا يُقدر بثمن من المواقف الجميلة والذكريات المشتركة. نصف قرن مضى… وما زالت الأخوّة كما كانت في يومها الأول، صافية، نقية، متجذرة في القلوب.
فطوبى لرفقة حفظت العهد، وأدامت الودّ، وجعلت من العمل رحلة عمرٍ تُروى بفخر للأبناء والأحفاد.



