تريترة… أسطورة الطفولة في شمال نجد

بقلم الكاتبة:نجاح لافي سالم الشمري
الحدود الشمالية
رفحاء
في شمال نجد،، كانت حكاية “تُرَيْتِرة” تسكن ليالينا كما يسكن القمر سماء الصيف. عجوز شمطاء آكلة للحوم البشر، يقال إنها تتربص بالفتيات وتخطف من تبتعد عن أهلها أو تتأخر خارج البيت. لم تكن مجرد قصة للتخويف، بل كانت جزءًا من طفولتنا، من ضحكاتنا المرتجفة، ومن ذلك الخوف اللذيذ الذي يجعل القلب يخفق سريعًا ونحن نعلم في أعماقنا أنها مجرد حكاية… لكنها تبدو حقيقية تمامًا حين تُروى.
في ليالي الصيف، حين يشتد الحر داخل الغرف، كنا نصعد إلى السطح ونفرش الحصر ونمدّ المراتب تحت السماء المفتوحة. النجوم تتلألأ فوقنا، والهواء أخفّ، والهدوء يلف الحي إلا من أصوات بعيدة لكلب ينبح أو بابٍ يُغلق. هناك، تبدأ الجدة بصوتها المبحوح الخافت، وكأنها تستدعي القصة من بين الظلال. تقترب منا قليلًا وتقول: “ترى تريترة ما تحب البنات اللي يسهرن برا…” فنلتفت حولنا بلا وعي، نتفقد أطراف السطح، ونشدّ أغطيتنا إلى صدورنا.
كانت تصفها بشعرٍ منفوش كأنه أعشاش غربان، وأظافر طويلة تخدش الأبواب في منتصف الليل، وعيون تلمع من خلف الجدران الطينية. تقول إنها تعرف البيوت بيتًا بيتًا، وتمشي بخطوات خفيفة لا تُسمع، وتشمّ رائحة الخوف كما يُشمّ العطر. تحمل كيسًا كبيرًا على ظهرها، تخطف فيه من تعصي أهلها، وتمضي بها إلى مكانٍ لا يعرفه أحد. تخفّض الجدة صوتها عند لحظة الاقتراب، ثم تسكت فجأة، فنحبس أنفاسنا كأن تريترة تقف خلفنا تمامًا.
كنا نتظاهر بالشجاعة، لكننا نتحلّق أكثر، ننام متقاربين، ونترك ضوءًا خافتًا قرب الدرج المؤدي إلى السطح. وإذا تحرك ظلّ بسبب سحابة عابرة، أو صفق الباب بفعل الريح، تعالت همساتنا المرتبكة: “جت! جت!” ثم نضحك لنغطي خوفنا. بعضنا كان يرفض النزول وحده ليلًا، وبعضنا الآخر يتسابق ليثبت أنه الأجرأ، فينزل درجتين ثم يعود راكضًا وهو يصرخ باسمها.
وفي النهار، تتحول تريترة إلى لعبة. نتفق أن أحدنا هو “تريترة” والبقية يهربون، نختبئ خلف الأشجار أو عند زوايا البيت، ونصرخ ضاحكين. نضيف للقصة تفاصيل جديدة؛ بيتًا مهجورًا في آخر الحارة، أو نخلة عالية تقول الجدة إنها شوهدت تحتها. كأننا نعيد تشكيل الخوف بأيدينا الصغيرة، نتحكم فيه بدل أن يتحكم بنا.
ومع الوقت فهمنا أن تريترة لم تكن سوى ظلٍّ كبير صنعته محبة الأهل وحرصهم علينا. كانت حكاية تُغرس فينا الحذر، وتذكرنا ألا نبتعد، وألا نثق بالغريب، وألا نتأخر خارج البيت. لكنها، قبل كل شيء، كانت طقسًا من طقوس الألفة؛ لحظة نجتمع فيها حول صوتٍ واحد، ونعيش قصة واحدة، ونشعر أننا جزء من عالمٍ سري لا يعرفه إلا أطفال تلك الليالي.
اليوم، تغيّرت البيوت، واختفت عادة النوم فوق السطوح، وتبدلت الحكايات. لكن تريترة ما زالت تعيش في الذاكرة، كلما تذكرنا تلك الليالي الدافئة، ورائحة الفرش المفروشة، وصوت الجدة وهي تهمس بين النجوم. لم تكن مجرد عجوز مرعبة، بل كانت عنوانًا لبراءتنا، وللمغامرة الصغيرة التي كبرت معنا، وبقيت حكاية نحكيها الآن لأطفالنا… وربما نخفض أصواتنا عند اللحظة نفسها، ونبتسم حين نرى في عيونهم ذلك الخوف الجميل الذي عرفناه يومًا.
وهكذا تبقى تريترة خيطًا ممتدًا بين زمنين؛ بين ماضٍ كانت فيه النجوم سقف طفولتنا، وصوت الجدة هو المسرح الوحيد الذي نعرفه، وحاضرٍ امتلأ بالشاشات والقصص السريعة والصور الجاهزة. جيل تريترة لم يكن يملك الكثير، لكنه كان يملك الخيال، ودفء الاجتماع، ونبض الحكاية حين تُروى همسًا في عتمة الليل. أما جيل اليوم، فقصصه مختلفة، ووسائله أوسع، لكن الحاجة إلى الدهشة لم تتغير، ولا الرغبة في الشعور بالأمان قرب من نحب.
قد لا يعرف أطفال اليوم معنى النوم فوق السطوح، ولا رهبة الظلال التي كنا نراها تتحرك مع كل نسمة، لكنهم سيصنعون “تريترة” الخاصة بهم بطريقتهم، كما صنعناها نحن بخيالنا البسيط. وبين الماضي والحاضر تبقى الحكاية جسرًا خفيًا؛ تذكّرنا أن الخوف كان يومًا لعبة بريئة، وأن أجمل ما في تلك الأسطورة لم يكن الرعب، بل اللحظة التي كنا نجتمع فيها معًا… نرتجف قليلًا، ثم نضحك كثيرًا.



