عبر رمال الزمن

تالة صالح باجبير
كان خالد يقود سيارته عبر الصحراء، يبحث عن موقع أثري قديم. خالد شاب مهتم بالآثار، تبدو في عينيه لمعة الذكاء وحب الاستكشاف، يضع على رأسه قبعة لحمايته من الشمس، ويحمل حقيبة تحتوي على كشاف صغير وبعض الأدوات.
وبينما كان يقترب من الكثبان الرملية، لمح ناقة وحيدة تقف بين الرمال. اقترب منها بحذر، ولكن الناقة رفعت رأسها وقالت: لقد تأخرتَ كثيرًا.
تجمّد خالد في مكانه، وقال بحيرة هل… تتحدثين معي؟
أجابت: أنا الناقة مصيّحة، ناقة الملك عبد العزيز، وأنا هنا لأريك كيف بدأ كل شيء وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
وفجأة، أخرجت الناقة من حوافرها رمالًا متلألئة سحرية ونثرتها على حقيبة خالد. بدأت ساعة رملية صغيرة مضيئة داخل الحقيبة تلمع، وقالت الناقة هذه ساعة الزمن، ستنقلك معي عبر العصور لتشهد أحداث التاريخ بنفسك.
وبغض النظر عن دهشته، قرر خالد أن يركب الناقة، وعندما قلبت الناقة الساعة الرملية، انطلقت بسرعة عبر الصحراء وكأن الزمن نفسه بدأ يتحرك في اتجاهٍ موازٍ.
فجأةً، شعر خالد كما لو أنه انتقل إلى زمن بعيد. وجد نفسه وسط جيش من الفرسان، يلوّحون برايات التوحيد. كان الملك عبد العزيز يقودهم في معركة استعادة الرياض، ومع كل خطوة، كان خالد يزداد فهمًا لعمق التاريخ الذي جعل المملكة اليوم كما هي عليه.
قالت الناقة أنت هنا لتشهد لحظة التوحيد. هذا هو المكان الذي بدأ فيه حلم المملكة.
قبل أن يتمكن خالد من استيعاب ما يحدث، وجد نفسه داخل قصر المربّع بالرياض، حيث كان الملك عبد العزيز يخطط لتوحيد المملكة. قال خالد لقد قرأت عن هذا القصر في الكتب.
فأجاب الجمل نعم، هذا هو المكان الذي بدأ فيه كل شيء.
بينما كان خالد يتأمل المشهد، بدأ الزمن يتحوّل مجددًا، وفجأةً، وجد نفسه في سوق عكاظ، أقدم أسواق الجزيرة العربية. قالت الناقة هنا كان يتجمع الناس من كل مكان، ليس فقط للتجارة، بل لتبادل الثقافة والشعر.
وما كادت الناقة تنهي حديثها، حتى لمح خالد شيئًا لونه بني كأنه جلد. اقترب منه، وبيديه المتلهفتين أزاح بعض الأحجار العتيقة عن الشيء. كانت قطعة جلد قديمة، أطرافها مهترئة كأن الزمن التهمها ببطء.
دقّق النظر إليها، فرأى خطوطًا باهتة من حبر خفيف، وكأنها نقوش لحروف عربية. ابتسم للناقة ابتسامة كبيرة وهو يضع القطعة في حقيبته، وقد شعر أنه حصل على كنز عظيم.
ثم، وفي لمح البصر، تغير المشهد، وعاد خالد إلى الحاضر. وجد نفسه في مدينة الرياض الحديثة، حيث الأبراج الشاهقة والمباني العصرية تملأ الأفق. كانت المدينة تموج بالحياة، والطرق السريعة تربط بين أطرافها، بينما المشاريع الكبرى مثل نيوم والقدية تعد بمستقبل مشرق.
قالت الناقة متعجبة الرياض اليوم لا تشبه الماضي! لقد تطورت بشكل رائع
رد خالد وهو يشير إلى الأبراج العالية هذه المباني الحديثة تعكس ما حققته المملكة من تقدم في فترة زمنية قصيرة. لقد واجهت المملكة تحديات عظيمة في الماضي، أما اليوم فهي واحدة من أكبر اقتصادات العالم. رؤية المملكة 2030 تقود هذا التقدم، وتهدف إلى تحويل المملكة إلى دولة قوية ومتقدمة في جميع المجالات، بدءًا من الطاقة المتجددة إلى التعليم الرقمي.
وفي النهاية، نظر خالد إلى الناقة مصيّحة وقال شكرًا لكِ، لقد فهمتُ كيف أن الماضي والحاضر مرتبطان ببعضهما. إن ما نراه اليوم هو نتيجة جهود ماضية، والنجاح الذي تحقق لم يكن سهلًا.
انتهت رحلة خالد عبر الزمن، لكن رحلة جديدة من فكّ رموز قطعة الجلد العتيقة كانت قد بدأت بالفعل.



