القرآن الكريم: منهج للشفاء النفسي وبناء العقل السليم

بقلم/ مضاوي بنت دهام بن سعود القويضي
يُعد القرآن الكريم الدستور الخالد للمسلمين، وليس مجرد كتاب طقوس أو عبادات شكلية، بل هو منهج حياة شامل يخاطب الإنسان بكل أبعاده: الجسدية، والنفسية، والعقلية، والروحية. وقد أكد الله سبحانه وتعالى على هذه الوظيفة الشفائية في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]. في عصر يتسم بالسرعة، والضغوط الحياتية، وتشتت الفكر، يبرز دور القرآن كمرساة للثبات النفسي، وكمنهج قويم لسلامة العقل والفكر. يتناول هذا المقال دور القرآن الكريم في تعزيز الصحة النفسية، وبناء منهج فكري سليم بعيد عن التطرف والوهم.
**أولاً: القرآن والصحة النفسية (الطمأنينة والسكينة)**
تعاني النفس البشرية المعاصرة من أمراض العصر النفسية، كالقلق، والاكتئاب، والشعور بالفراغ الوجودي. ويأتي القرآن ليقدم العلاج الجذري لهذه الحالات من خلال عدة محاور:
1. **الطمأنينة القلبية:** يرتبط الاستقرار النفسي ارتباطاً وثيقاً بالصلة بالله. يقول الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. إن قراءة القرآن وتدبره هي أسمى أشكال الذكر، وهي التي تمنح القلب السكينة التي لا تتزعزع بتقلبات الدنيا.
2. **إدارة القلق والخوف:** يغرس القرآن في نفس المؤمن مفهوم “التوكل” و”القضاء والقدر”، مما يخفف من وطأة الخوف من المستقبل. عندما يدرك الإنسان أن الأمر بيد الله، وأن ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، يزول عبء القلق المفرط.
3. **الأمل والتفاؤل:** يوازن القرآن بين التخويف من العذاب والتبشير بالرحمة. آيات الرحمة والمغفرة تمنع المؤمن من الوقوع في هاوية اليأس والقنوط، مما يحافظ على حيويته النفسية وإيجابيته.
4. **المعنى والهدف:** يشعر الإنسان بالاكتئاب عندما يفقد معنى لحياته. القرآن يوضح غاية الخلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، مما يمنح الحياة قيمة سامية تتجاوز الماديات الزائلة.
**ثانياً: القرآن وسلامة المنهج الفكري**
لا ينفصل الصحة النفسية عن سلامة العقل والمنهج الفكري. فالإنسان الذي يفكر بشكل مشوش أو متطرف، تكون نفسيته مضطربة. ويؤسس القرآن لمنهج فكري سيم عبر الآتي:
1. **دعوة للتفكر والتعقل:** لم يرد لفظ “العقل” ومشتقاته في القرآن إلا للدلالة على الفهم والاستدلال. كثرت الآيات التي تستفهم عن عدم استخدام العقل، مثل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. هذا يحفز المسلم على عدم الجمود، واستخدام المنطق والاستدلال في فهم الكون والدين.
2. **نبذ الظن والتخمين:** يحذر القرآن من اتباع الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، ويدعو إلى اليقين القائم على الدليل. هذا يحمي العقل من الخرافات، والشائعات، والأفكار الدخيلة التي لا أصل لها.
3. **الوسطية والاعتدال:** يصف القرآن أمة الإسلام بأنها ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]. هذا المنهج يحمي الفكر من الانزلاق إلى غلو التشدد أو تفريط العلمانية، ويحافظ على توازن نفسي وفكري بعيد عن التطرف.
4. **الفرقان بين الحق والباطل:** سمى الله القرآن “الفرقان”، لأنه المعيار الذي يميز به الإنسان بين الصحيح والخاطئ. وجود معيار ثابت يحمي العقل من التشتت الفكري والضياع في تيارات فكرية متضاربة.
**ثالثاً: الجوانب العلاجية والسلوكية**
يتجاوز دور القرآن التنظير إلى التطبيق العلاجي:
* **الرقية الشرعية:** أثبتت تجارب كثيرة تأثير آيات القرآن في شفاء الأمراض النفسية والروحية (كالعين والحسد والسحر)، مما يزيل أعباءً ثقيلة عن كاهل المريض النفسي.
* **تهذيب السلوك:** يدعو القرآن إلى مكارم الأخلاق (الصبر، العفو، الصدق). تطبيق هذه القيم يقلل من الصراعات الاجتماعية، ويقلل من مشاعر الغضب والحقد الداخلية، مما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية.
* **الصلاة والخشوع:** التي هي ثمرة من ثمرات القرآن، تمثل فترات استرخاء عميق وانفصال عن ضغوط الحياة، مما يعيد شحن الطاقة النفسية والعقلية.
**رابعاً: في ضوء المعطيات العلمية الحديثة**
أظهرت دراسات علم النفس الحديثة وعلم الأعصاب أن الاستماع للقرآن وتلاوته يؤثر إيجابياً على موجات الدماغ، ويخفض مستويات هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر). كما أن “العلاج الديني” (Religious Coping) يُعترف به كأحد آليات التكيف الصحية التي تساعد الأفراد على تجاوز الصدمات والأزمات. إن الانتظام في ورد قرآني يخلق نظاماً حياتياً (Discipline) يضفي استقراراً على الروتين اليومي، وهو أمر ضروري للصحة العقلية.
**خاتمة**
إن القرآن الكريم ليس كتاباً للعزلة في المحاريب فحسب، بل هو صيدلية شاملة للروح والعقل. إنه يوفر الغطاء الأمني النفسي عبر الثقة بالله، ويوفر الدرع الفكري عبر منهجية التفكير السليم. في زمن الاضطرابات النفسية والفكرية، يكون العودة إلى القرآن بفهم وتدبر، هي السبيل الأمثل لاستعادة التوازن الداخلي، وبناء شخصية سوية قادرة على العطاء والإعمار. ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
كاتبة سعودية



