في الخمسين… حين تصبح الكرامة أغلى من الحب

بقلم الإعلامي صالح المحجم
الرجل في سنّ الخمسين ، لا يشبه ذلك الشاب الذي كان يظن أن الطرق كلها تؤدي إلى قلبٍ ما ولا يشبه ذاك الذي كان يطرق الأبواب بلا خوف ويعتذر بلا حساب .
في الخمسين ينظر طويلًا… ثم يصمت ليس لأنه لا يرى بل لأنه رأى كثيرًا يعجبه الحضور الهادئ تسحره التفاصيل الصغيرة طريقة حديثٍ مرتّب نبرة صوتٍ صادقة ابتسامة لا تتصنّع لكنه لا يقترب بسهولة ، فهو لم يعد يركض خلف أحد ، ولم يعد يؤمن بأن الإلحاح يصنع حبًا.
في هذا العمر يصير القلب أكثر وعيًا وأشد حذرًا ، تعلمه الخيبات أن المشاعر لا تُمنح لمن لا يعرف قيمتها، وأن الكرامة ليست خيارًا ثانويًا بل هي الأصل.
وكأن صالح المحجم حين يكتب عن هذا العمر لا يكتب عن سنواتٍ مضت بل عن قلبٍ تعلّم أن يصون نفسه وأن يجعل الكرامة فوق كل عاطفة.
الرجل في الخمسين قد يحب ، نعم يحب بعمق لم يعرفه في شبابه لكن حبه صار صامتًا لا يستعرضه ولا يعلنه في كل اتجاه يشتاق بهدوء ويتألم بصبر ، ويختار أن ينسحب إن شعر بأن مكانته تهتز ، لم يعد يبحث عمّن يملأ فراغه بل عمّن يفهم امتلاءه
لم يعد يريد علاقة تُربكه بل قلبًا يطمئنه لا يريد إثبات نفسه لأحد ، فهو يعرف من يكون ، ويعرف كم دفع من عمره ليصل إلى هذا السلام قد يعجبه الحضور وقد تأسره التفاصيل لكن إن شعر أن الطريق سيعيده إلى دوائر قديمة يتراجع لا خوفًا بل احترامًا لنفسه
في الخمسين تصبح الكرامة أغلى من المغامرة ويصبح الهدوء أثمن من الضجيج ويصبح الاختيار مسؤولية لا نزوة
الرجل في هذا العمر إن أحبّ أحبّ كأنما يمنح آخر ما تبقّى في قلبه وإن اختار الابتعاد فهو لا يفعلها ضعفًا بل لأنه تعلم أن بعض القلوب أغلى من أن تُستنزف مرة أخرى
هو لا يركض ولا يكرر الطرق ذاتها ولا يطرق بابًا أُغلق في وجهه
هو فقط ينظر يصمت ويحمل قلبه بيدٍ ثابتة حتى لو كان الثمن… قلبه نفسه وفي الخمسين
لا يخاف الرجل من الوحدة بل يخاف أن يعود إلى نصف حب ونصف اهتمام ونصف مكانة لم يعد يحتمل أن يكون احتمالًا
ولا خيارًا مؤجلًا ولا اسمًا يُذكر عند الفراغ إن أحبّ أحبّ بصدقٍ كامل وإن لم يجد صدقًا كاملًا آثر الرحيل
قد يبتسم وهو ينسحب وقد يبدو ثابتًا ، لكن خلف ذلك الثبات قلبٌ يتكسّر بصمت
هو لا يعلن وجعه ولا يشتكي فالكبار لا يبكون أمام أحد يمضي… ويترك خلفه احتمال قصةٍ كانت لتكون جميلة
لو أن الطرف الآخر أدرك أن الرجل في الخمسين حين يبتعد لا يعود أبدًا ليس قسوةً ولا كبرياءً أعمى بل لأن قلبه
لم يعد يحتمل خسارةً أخرى
وكأن صالح المحجم لم يكتب عن رجلٍ في الخمسين بل كتب عن مرحلةٍ لا يعود منها القلب كما كان ولا يخذله إلا من لم يعرف أن الكرامة عند صالح المحجم ليست كلمة تُكتب بل مبدأ يُعاش حتى لو كان الثمن… قلبه نفسه التعميم لغة الجهلاء
ولا يعني هذا المقال أن كل من بلغ الخمسين يملك هذه الصفات ، فهناك من وصل هذا العمر ولم ينضج بعد في تقديره لكرامته، ونراه في حياتنا اليومية وفي مواقع التواصل الاجتماعي وفي البثوث المباشرة
المقال يتحدث عن حالة ونمط معيّن صادفته الحياة ويجب أن يُفهم كلٌ بحسب تجربته ووعيه



