لسنا ردّة فعل… نحن البداية

الدكتور : رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، نحتفل بـ يوم التأسيس؛ اليوم الذي يذكّرنا بأن الحكاية بدأت من الداخل، لا من هامش حدثٍ عابر ولا من فراغٍ خلّفه غياب.
حين قامت الدولة السعودية الأولى في الدرعية عام 1727م على يد الإمام محمد بن سعود، لم تكن ردّة فعلٍ على احتلال، ولا انعكاسًا لصراع قوى كبرى على أرضٍ بلا صوت. كانت فعل تأسيسٍ خالص؛ فكرة حكمٍ نشأت من المجتمع، ومن حاجته إلى الاستقرار، ومن وعيٍ مبكرٍ بمعنى الاجتماع والسيادة.
لهذا نحتفل.
نحتفل لأننا لم نكن سطرًا في دفتر مستعمر، ولا هامشًا في أرشيف إمبراطورية. لم تُوقَّع ولادتنا على طاولةٍ باردة، ولم تُرسم حدودنا بقلمٍ أجنبي. كانت الأرض تعرف أهلها، وكان المشروع ينمو من تربتها، كما تنمو الشجرة من جذورها، لا من ظلٍّ مستعار.
تعاقبت الدول، وسقطت جدران، لكن الفكرة بقيت. سقطت الدولة الأولى، ثم الثانية، غير أن الجذر ظلّ حيًا في الذاكرة والوجدان. وحين جاء الملك عبدالعزيز، لم يكن يستدعي مجدًا غابرًا بقدر ما كان يستأنف مشروعًا لم ينقطع. وفي عام 1932م أُعلن قيام المملكة العربية السعودية، لا كولادةٍ طارئة، بل كامتدادٍ طبيعي لفكرةٍ بدأت في الدرعية قبل قرنين من الزمان.
نحتفل لأننا فعلٌ أول، لا ردّة فعل. لأن جذورنا أعمق من كل استعارة، وأقدم من خرائط رسمها الآخرون لأنفسهم.
ويوم التأسيس ليس استدعاءً للماضي على سبيل الحنين، بل قراءةٌ واعية لمسارٍ طويل؛ كيف تحوّلت الفكرة إلى دولة، والدولة إلى هوية، والهوية إلى مسؤولية. هو تذكيرٌ بأن الوطن ليس حادثةً في كتاب التاريخ، بل قرارًا يتجدّد في وعينا كل يوم.
لهذا نحتفل… لا بذكرى عابرة، بل بجذرٍ ما زال حيًّا فينا.


