تزكية النفس الطريق إلى الفلاح .. وفخ الشيطان

بقلم / نزار الطويل*
في زمن يغلب فيه الضجيج الخارجي والسباق المحموم نحو الإنجازات الظاهرة، يظل السؤال الأعمق يتردد في أعماق الإنسان: هل تسلك طريق الفلاح الحقيقي؟
يجيب الله جلّ جلاله في كتابه الكريم بقسمٍ بليغ في سورة الشمس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]
فالفلاح بحسب هذا القسم الإلهي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ”تزكية النفس”، وهي عملية مزدوجة: تطهيرها من الرذائل وتنميتها بالفضائل..
والتزكية في اللغة تدور حول الطهارة والنماء والبركة
وفي الشرع تطهير النفس من أدرانها من كفر ونفاق ورياء وحسد وكِبر وغضب وحب الدنيا؛ وغرس التقوى فيها من صبر وشكر وإحسان وتواضع، حتى تصل إلى مرتبة “النفس المطمئنة”..
قال تعالى في وصف مهمة الرسول ﷺ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة: 2]
فالتزكية شرط أساسي للفلاح في الدنيا والآخرة، وهي ليست مجرد عبادات ظاهرة، بل تنقية الدوافع والنوايا، فتصبح الأعمال خالصة لله، والعلاقات رحيمة، والقرارات واعية..
في عصرنا الحاضر يطوّر الكثيرون مهاراتهم الخارجية (كورسات، شهادات، إنتاجية)، لكنهم يبقون محاصرين داخليًا بأمراض القلب؛ والتزكية هنا هي الاستثمار الحقيقي حيث تعطي سلامًا داخليًا، وقرارات مستدامة في الأعمال والحياة، وعلاقات أصيلة، ونجاحًا لا يحرق الأخلاق، بدونها قد يصل الإنسان إلى قمم الدنيا، لكنه يبقى خاسرًا في ميزان الحقيقة؛ ومع ذلك، يتربّص الشيطان بأشد الحذر لمن بدأ في طريق التزكية وشعر ببعض التقدم، يأتيه بعد أن يترك بعض الذنوب أو يلتزم بعبادات، فيزين له أن “أنا وصلت”، “أنا أفضل من غيري”، فيتحول الشعور بالتقوى إلى عُجب وغرور، وهنا يبدأ الإنسان يسيء معاملة الناس – يحتقرهم، يوبخهم بقسوة، يبرر ظلمه لهم بقوله لنفسه: “أنا تمام، أنا زكيت نفسي”، ولا يدري أن هذا التصرف دليل على مرض النفس، وأن الشيطان قد أغواه، متناسيًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
[النجم: 32]
وقد قال ابن القيم في ذلك: “رضا العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه، وجهله بحقوق العبودية… ويتولد من ذلك العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة”
أما الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” (باب ذم العجب والكبر)، بين أن العجب يدعو إلى الكبر، ووصف العجب بأنه إعظام النعمة مع نسيان إضافتها إلى المنعم، فيتولد منه الرضا عن النفس الذي يوقف التزكية ويلقي بها في التهلكة..
وتندرج علامات هذا الفخ في الواقع بإحتقار الآخرين تحت ستار النصيحة، وتوقف محاسبة النفس، وشعور بتفوق روحي يبرر الإساءة، تحت مبرّر “أنا زكيت نفسي”؛ فكيف نحمي أنفسنا؟
بدعاء النبي ﷺ الذي علّمه أبا بكر: “اللهم آت نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكاها”.
والمحاسبة اليومية كل مساء نسأل: أين أخطأت؟ أين أسأت معاملة أحد؟ حتى لو كان “بإسم الدين”.
والتواضع الدائم بتذكُّر ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ ، [المؤمنون: 60]، يعطون ويخافون ألا يُتقبّل.
النظر لمن هو أعلى في التقوى فتتواضع، ولمن دونك في الدنيا فتشكر ، ومشورة الصادقين بالسؤال: هل معاملتي فيها قسوة أو استعلاء؟
ختامًا:
تزكية النفس ليست وصولاً إلى قمّة يتوقف عندها السالك، بل طريق مستمر من التواضع والخوف والرجاء، فالفلاح الحقيقي ليس في الإعتقاد بأنك “وصلت”، بل في الإستمرار في التنقية والنماء، مع الرحمة بالخٓلْق والإعتراف بالتقصير أمام الخالق..
فاسأل نفسك اليوم: هل زكّيت نفسك حقًا، أم أن الشيطان يُزين لك سوء عملك فتراه حسنًا؟
التوبة مفتوحة، والطريق مستمر
فمن زكاها فقد أفلح، ومن دساها فقد خاب..
*(نزار الطويل – متخصص في إدارة الأعمال والتسويق الواعي، مقدم برنامج “كلام بدون فلتر”، مهتم بتطوير الوعي الإنساني في الحياة اليومية والمهنية)



