مجزرة خوجالي: مأساة يجب ألا ينساها العالم

منصور بن نحيت – الرياض
في ليلة 25-26 فبراير 1992، وقعت واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث لجمهورية أذربيجان في بلدة خوجالي. وخلال النزاع المسلح في منطقة قره باغ، قُتل 613 مدنياً أذربيجانياً أعزل، من بينهم 106 نساء و63 طفلاً و70 من كبار السن، كما أُصيب المئات بجروح وأُخذ أكثر من 1200 شخص رهائن. لقد أُبيدت عائلات بأكملها، وارتُكبت أعمال عنف مروعة بحق المدنيين.
لم تكن أحداث خوجالي مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت عملاً متعمداً استهدف السكان المدنيين. ويروي الناجون قصصاً مؤلمة عن فرارهم عبر الغابات المتجمدة تحت إطلاق النار، وعن أطفال فُصلوا عن ذويهم، وعن معاناة إنسانية تفوق الوصف. وقد تركت هذه المأساة جرحاً عميقاً في الذاكرة الوطنية للشعب الأذربيجاني.
ولما يقارب ثلاثة عقود بعد هذه المجزرة، بقيت خوجالي والمناطق المحيطة بها تحت الاحتلال. واضطر أكثر من مليون أذربيجاني إلى العيش كنازحين داخلياً، محرومين من منازلهم وحقوقهم الأساسية. وعلى الرغم من هذه المعاناة، واصلت أذربيجان السعي إلى حل سلمي يستند إلى مبادئ القانون الدولي واحترام السيادة ووحدة الأراضي.
وقد أظهرت المملكة العربية السعودية الشقيقة دعماً مبدئياً وثابتاً لسيادة أذربيجان ووحدة أراضيها. وبصفتها دولة رائدة في العالم الإسلامي وعضواً مؤثراً في منظمة التعاون الإسلامي، عبّرت المملكة باستمرار عن تضامنها مع القضية العادلة لأذربيجان. ويعكس هذا الموقف المتين عمق العلاقات الأخوية بين بلدينا، القائمة على الاحترام المتبادل والقيم المشتركة.
لقد أدانت منظمة التعاون الإسلامي مراراً مأساة خوجالي عام 1992، حيث أقرّت عدة قمم واجتماعات لوزراء الخارجية بأن الأعمال التي استهدفت المدنيين الأذربيجانيين تشكل إبادة جماعية. وتدعو القرارات الصادرة في هذا الإطار إلى تحقيق العدالة والاعتراف الدولي بهذه الأحداث، ومحاسبة المسؤولين عن ارتكابها ضمن حملة “العدالة لخوجالي”.
وفي عام 2020، استعادت أذربيجان وحدة أراضيها وفقاً للقانون الدولي، لتنتهي بذلك فترة الاحتلال التي استمرت سنوات طويلة. واليوم، تنفذ أذربيجان واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار وإعادة التأهيل في المنطقة، حيث تُبنى المدن والقرى التي دُمّرت خلال سنوات الاحتلال من جديد، ويتم إنشاء بنى تحتية حديثة ومدارس ومستشفيات وقرى ذكية في أماكن كانت شاهدة على الدمار.
والأهم من ذلك، أن عملية “العودة الكبرى” قد بدأت بالفعل. فقد بدأ النازحون داخلياً بالعودة إلى أراضيهم وديارهم بكرامة وأمان بعد عقود من الانتظار. وتستعيد خوجالي، التي كانت رمزاً للمأساة، نبض الحياة من جديد، حيث يعود سكانها تدريجياً لإعادة بناء مجتمعهم وإحياء نسيجهم الاجتماعي والثقافي الذي تعرض للتدمير عام 1992.
إن هذه العودة لا تمثل إنجازاً وطنياً فحسب، بل تُجسد انتصار العدالة على الظلم، والصمود على المأساة. وتؤكد أذربيجان التزامها الراسخ بتحقيق سلام دائم ومصالحة حقيقية وتعايش مستدام في منطقة جنوب القوقاز. إن ذكرى خوجالي تحفزنا على السعي نحو العدالة والسلام المستدام، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي مستقبلاً.
وفي إحياء ذكرى ضحايا خوجالي، ندعو المجتمع الدولي إلى مواصلة الاعتراف بهذه المأساة والتمسك بمبادئ القانون الدولي الإنساني. فإحياء الذكرى ليس استحضاراً للماضي فحسب، بل هو مسؤولية لحماية المستقبل.
إن قصة خوجالي هي قصة ألم، لكنها أيضاً قصة صمود وإعمار وأمل. واليوم، ومع عودة العائلات إلى منازلها تحت علم أذربيجان، تتجلى رسالة واضحة: قد تتأخر العدالة، لكنها لا تضيع.



