خطورة التسويف: العدو الخفي الذي يسرق عمرك دون أن تشعر

نزار الطويل

في زمن يتسارع فيه الإيقاع اليومي وتتكدّس فيه الفرص والأحلام، يظل هناك عدوٌّ صامت يتربّص بالكثيرين، يسرق أجمل سنوات العمر دون أن يُلاحَظ.
تخيّل أنك في الثلاثينيات أو الأربعينيات تنظر إلى الوراء فتجد أن أحلامك الكبيرة ما زالت معلّقة على “بُكره”، وتقول لنفسك “سيبها على الله”، لكن الحقيقة المؤلمة أن الله أعطاك الوقت والقدرة، فالمشكلة ليست في القدر، بل في عادة واحدة تدمر حياتك ببطء: التسويف!

التسويف ليس مجرد تأجيل لمهمة بسيطة، بل هو نمط حياة يبدأ بالأشياء الصغيرة – تأجيل دراسة ساعة، تأجيل تمرين يومي، تأجيل فكرة مشروع جانبي – ثم يتراكم حتى يصبح سجنًا داخليًا، ويخلق شعورًا زائفًا بالأمان “لسه عندي وقت”، “الظروف مش مناسبة”، لكنه في الواقع يحول الطموحات إلى ندم متراكم، ويصل الكثيرون إلى سن متقدمة وهم يقولون “كنت أريد” بدل “فعلت”، وهذا الفرق بين “شرف المحاولة” و”الإهمال المزمن” وذلك ما يحدد مصير الإنسان.

الخطورة الحقيقية للتسويف لا تكمن في المهمة الواحدة التي تُؤجل بل في التراكم النفسي، فيولِّد شعورًا بالعجز والفشل الداخلي، فينخفض معه الثقة بالنفس ويزداد الخوف من البدء مرة أخرى؛ وفي الجانب العملي – ومن واقع خبرتي في إدارة الأعمال والتسويق – يقتل الفرص، يؤخر إطلاق مشروع، يمنع بناء براند شخصي، ويجعلك تفقد المنافسة؛ وفي عالم يتغير بسرعة، من يؤجل اليوم يدفع غدًا ثمنًا باهظًا، سواءًا في الوظيفة أو المشاريع أو حتى العلاقات الشخصية.

بكل صراحة: لا أحد سيأتي لينقذك، لا صديق لا فرصة سحرية ولا حتى ظروف مثالية، الإنقاذ بيدك أنت، حتى لو كانت خطواتك صغيرة جدًا فهي أفضل مليون مرة من الانتظار..
المحاولة حتى لو انتهت بفشل جزئي تعطيك كرامة داخلية “أنا عملت اللي عليّ”، أما التسويف فيتركك مع “لو كنت…”، وهذا الندم أشد إيلامًا من أي فشل..

ويمكنك مواجهة هذا العدو الخفي بخطوات بسيطة، مستوحاة من تجارب حقيقية:
ابدأ بخطوات صغيرة، ولا تنتظر الإلهام أو اليوم المثالي.
تذكّر الندم المستقبلي بسؤال:
كيف سأشعر بعد خمس سنوات إذا استمريت في التأجيل؟
حدد “لماذا”؟ واربط المهمة بقيمة أكبر، لأن النوايا الصافية تحول المهمة من “عبء” إلى “معنى”.
وحاسب نفسك في نهاية اليوم، اكتب ما أجلته ولماذا؟ لأن الوعي بهذا النمط يضعفه تدريجيًا.
واحتفل بالمحاولة لا بالكمال حتى لو لم تصل إلى الهدف الكبير، فأنت على الأقل “حاولت”! أقول هذا من واقع تجاربي الشخصية، فقد أقدمت على أمور كثيرة في حياتي بعضها نجح وأثمر نتائج جميلة، وأغلبها لم يتكلّل بالنجاح الذي كنت أتوقعه أو أرسمه في مخيلتي، لكنني – والحمدلله – راضٍ تمام الرضا عن محاولاتي المستمرة، لم أندم يومًا على أنني بدأت بل على العكس، كل محاولة حتى لو انتهت بـ”فشل” ظاهري علمتني شيئًا، صقلتني، أعطتني خبرة، غيرت نظرتي، أو فتحت لي أبوابًا لم أكُن لأراها لو بقيت جالسًا.
عدم النجاح المادي أو الظاهري لا يعني أبدًا أنني لم أستفد، والإستفادة الحقيقية تكمُن في الشخص الذي أصبحتُه بسبب تلك الخطوات؛ هذا الشرف أغلى من الجلوس في الانتظار.

في النهاية، التسويف ليس قدرًا محتومًا، بل خيار يتكرر يوميًا؛ انهض اليوم وخذ خطوة واحدة مهما كانت صغيرة، لأن الندم على عدم المحاولة أشد وقعًا من أي فشل..
غدًا قد يكون متأخرًا أو قد لا يأتي، فابدأ الآن
و ثِق بأن الله معك، فالوقت لا ينتظر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى