عند اشتداد الأحداث… هنا تبدأ مسؤوليتنا

الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– مع ما تشهده المنطقة من أحداث متسارعة، تتزاحم الأخبار، وتضطرب المشاعر، وتتباين ردود الأفعال بين قلقٍ وترقبٍ واجتهادٍ في الفهم. وفي مثل هذه اللحظات الفاصلة، لا يكون المطلوب أن نرفع أصواتنا بقدر ما نرفع مستوى وعينا، ولا أن نُكثر من التحليل بقدر ما نُحسن العمل.
أول الواجبات في أزمنة الشدائد هو الدعاء والالتجاء إلى الله بشدة. فالمؤمن يدرك أن وراء الأسباب مُسبِّبًا، وأن فوق كل تدبيرٍ بشري حكمةً إلهية. الدعاء ليس هروبًا من الواقع، بل هو تثبيتٌ للقلب، وتجديدٌ للثقة، واستمدادٌ للقوة. وما أحوجنا إلى قلوبٍ مطمئنة تقول: اللهم سلّم، اللهم احفظ، اللهم دبّر لنا فإنّا لا نحسن التدبير.
ثم يأتي الالتفاف حول قيادتنا وولاة أمورنا، فتماسك الجبهة الداخلية هو صمام الأمان في كل وطن. إن وحدة الصف ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل سلوكًا يُترجم في المواقف. حين تتكاتف القيادة والشعب، تتحول التحديات إلى فرص، وتُختصر مسافات القلق بخطوات الثقة.
وفي محيطنا الصغير تبدأ المسؤولية الأكبر. كن قدوة لأهلك وجيرانك؛ فالأسرة تنظر إلى ربّها، والأبناء يقرأون ملامح الطمأنينة في وجوه آبائهم قبل أن يسمعوها كلمات. وجارك يحتاج منك ابتسامة ثقة، وكلمة وعي، وتصرفًا متزنًا. في أوقات الأزمات، تنتقل العدوى بسرعة… فلتكن عدوى الطمأنينة لا الفزع.
كن إيجابيًا وتصرف بحكمة. الإيجابية ليست إنكارًا للمخاطر، بل هي حسن إدارة لها. والحكمة أن نزن الكلمة قبل نشرها، وأن نُقدّر أثرها قبل تداولها. كثير من الأزمات تتضخم بسبب كلمةٍ غير محسوبة، أو مقطعٍ مبتور، أو تعليقٍ ساخر لا يُدرك صاحبه أثره.
ومن أهم الواجبات أن نأخذ الأخبار من مصادرها الأصلية، وأن نُحسن التحقق قبل النشر. في عصر المنصات الرقمية، تتحول الشائعة إلى “حقيقة” في دقائق، ويتداولها الآلاف قبل أن يتبيّنوا صدقها. هنا تتجلى قيمة الوعي الإعلامي، ومسؤولية الفرد في كبح جماح الشائعات والأراجيف التي تثير الذعر بين الناس. ليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر صحيحًا.
أكثروا من الصلاة، وأحسنوا الظن بربكم. فحسن الظن عبادة قلبية عظيمة، تمنح صاحبها سكينةً في خضمّ العواصف. إن الثقة بالله لا تعني ترك الأسباب، بل تعني الأخذ بها مع يقينٍ بأن الفرج قريب، وأن بعد العسر يسرا.
وكونوا جادّين في طرحكم، بعيدين عن عبارات الاستهزاء والسخرية. فالسخرية في أوقات القلق ليست خفة ظل، بل قد تكون استهانة بمشاعر الآخرين أو تقليلًا من حجم المسؤولية. الكلمة أمانة، والمرح له مقامه، لكن للأحداث الجسام هيبتها.
إن الوطن أمانة في أعناق أبنائه، واستقراره مسؤولية مشتركة. وإذا كان صانع القرار يعمل في موقعه، ورجل الأمن يسهر في ثغره، فإن على كل واحدٍ منا أن يحرس جبهته الداخلية: بيته، وأسرته، ومنصته، وكلمته.
نسأل الله أن يحفظ بلادنا، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان، وأن يجنّبها الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ سائر بلاد المسلمين من كل سوء.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً وسائر بلاد المسلمين.



