أول رمضان بدون أمي… وجعٌ يسكن القلب ورسالة برٍّ لا تُؤجَّل

بقلم: آمال الفقيه

يأتي رمضان هذا العام مختلفًا… مختلفًا حدَّ الألم.

إنه أول رمضان يمرّ عليّ دون أمي؛ دون صوتها، ودون دعواتها التي كانت تسبقني إلى السماء، ودون حضورها الذي كان يمنح الشهر روحه ومعناه.

كان رمضان يبدأ بها… والآن يبدأ بفراغٍ لا يملؤه شيء.

رحيل الأم ليس حدثًا عابرًا في حياة الإنسان، بل تحوّل كامل في الشعور بالأمان. كأن سقف الطمأنينة قد ارتفع فجأة، وترك القلب مكشوفًا لرياح الحنين. في رمضان تحديدًا، تتكاثر الذكريات كما تتكاثر الأنوار في البيوت؛ دعواتها، مناداتها، نظراتها وهي تراقبنا بشغف الأم التي ترى أبناءها أعظم نعم الله عليها.

رحيل الأم ليس غياب شخص، بل غياب أمان. هو انتقال مفاجئ من كوني ابنةً مدللة بالدعاء إلى أمٍّ مطالبة بالثبات مهما اشتدّ الألم. وجدت نفسي أقف في المنتصف بين طفلةٍ داخلي تريد أن تبكي على كتف أمها، وأمٍّ يجب أن تبتسم لأولادها كي لا يشعروا بالحزن.

أكتم دمعي كي لا أزرع الحزن في قلوب أولادي. أبتسم رغم انكساري، أُعدّ الطعام بيدي المرتجفة، وأردد الأدعية التي كانت أمي تهمس بها. أتحمّل فوق طاقتي؛ لأنني أعلم أن أولادي لا يحتاجون أن يروا ضعفي، بل يحتاجون أن يروا فيَّ الأمان الذي كنت أراه في أمي – رحمها الله.

كم هو ثقيل أن تجمع بين وجع الفقد ومسؤولية الاحتواء؛ أن تشتاق لطفلةٍ داخلك تريد حضن أمها، بينما تقفين أنتِ حضنًا لأبنائك. أن تتمني لحظة ضعف، لكنك تختارين القوة. أن تحتاجي من يطمئنك، بينما أنتِ من توزّع الطمأنينة.

رحمكِ الله يا أمي…
ما زلتي حاضرة في كل تفاصيلي ؛ في دعائي قبل الإفطار، في حرصي على أن أجمع أولادي حول مائدة واحدة، في خوفي عليهم، وفي قلبي الذي تعلّم منك معنى العطاء بلا حدود. أدرك الآن كم كنتي تتعبين بصمت، وكم كان حبك يفوق قدرتك، ومع ذلك كنتي تعطين أكثر.

وفي هذا الشهر الكريم، أوجّه رسالة لكل من أنعم الله عليه بأمٍّ وأب:
لا تؤجلوا البرّ. لا تؤجلوا كلمة «أحبك»، ولا زيارة، ولا قبلة رأس، ولا جلسة صادقة. رمضان فرصة عظيمة لمضاعفة الأجر، وأعظم الأجور برّ الوالدين. الأم ليست باقية للأبد، والأب ظلٌّ إذا غاب أدركنا كم كانت الشمس قاسية بدونه.

احتضنوا والديكم ما استطعتم.
اصبروا على ملاحظاتهم، ابتسموا في وجوههم، شاركوهم موائدكم وأوقاتكم. لا تجعلوا الانشغال عذرًا، ولا تدعوا الحياة تسرق منكم أجمل عبادة: برّهم أحياءً، والدعاء لهم أمواتًا.

أما أنا… فسأمضي بهذا الشهر الكريم وباقي أيامي وأنا أتعلم درسًا قاسيًا لكنه عظيم: أن أكون لأولادي كما كانت أمي لي؛ أن أزرع في قلوبهم حبّ العائلة، وصلة الرحم، والدعاء، وأن أترك في ذاكرتهم أثرًا طيبًا، حتى إذا جاء يوم وافتقدوني، وجدوا في ذكراي دفئًا لا ألمًا.

رحم الله أمي، وجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وجمعني بها في مستقر رحمته. وكتب لنا جميعًا في هذا الشهر الكريم أجر الصبر، وأجر البرّ، وأجر القلوب التي ما زالت تنبض حبًا رغم الفقد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى