بين صرامة القانون ورحابة العمل الإنساني

بقلم: المحامية عفاف المهيزع

غالبًا ما يُنظر إلى القانون على أنه مجموعة من النصوص الجافة والمواد الجامدة، وحدود فاصلة لا تعرف العاطفة. وفي المقابل يُنظر إلى العمل الإنساني بوصفه مساحة واسعة من العطاء والمشاعر. غير أن المتأمل في جوهر الرسالتين يدرك أن المسافة بينهما ليست بعيدة كما يظن البعض، فكلتاهما تلتقيان عند غاية واحدة: خدمة الإنسان وحماية كرامته.

فالقانون في حقيقته لم يُشرع لتقييد الحريات، بل لحمايتها، ولم يوضع للعقاب بقدر ما وضع لإقامة العدل. وهذا العدل في ذاته يمثل أعلى صور العمل الإنساني. فعندما ينتصر المحامي لمظلوم، أو يستعيد حقًا ضائعًا، أو يسهم في حماية أسرة من التفكك عبر تطبيق النظام بروحه ومقاصده، فإنه لا يمارس عملاً قانونيًا فحسب، بل يؤدي رسالة إنسانية في إطار منظم يحفظ الحقوق ويمنع الفوضى.

وفي المقابل، فإن العمل الإنساني لا يستقيم دون وجود الأطر النظامية التي تنظمه وتضمن وصول الحقوق إلى مستحقيها. فالمبادرات الخيرية، مهما سمت نواياها، تحتاج إلى قواعد تضبط مسارها وتحميها من الاستغلال أو العشوائية. كما أن القانون بدوره يحتاج إلى بعد إنساني في فهم الوقائع وتقدير الظروف، حتى لا يتحول إلى تطبيق جامد للنصوص بعيدًا عن إدراك ما خلف القضايا من معاناة إنسانية وظروف اجتماعية معقدة.

ولا يقتصر دور المحامي على الترافع داخل قاعات المحاكم، بل يتجاوز ذلك ليكون مستشارًا يسعى إلى حل النزاعات قبل تفاقمها، ويعمل على تقريب وجهات النظر وإصلاح ذات البين متى أمكن. وهذا الدور يتطلب إلى جانب المعرفة القانونية حسًا إنسانيًا يدرك أن خلف كل قضية قصة إنسان، وخلف كل نزاع حياة قد تتأثر بقرار أو كلمة أو نص.

ومن هنا فإن انخراط المشتغلين بالقانون في المبادرات المجتمعية والعمل التطوعي ليس أمرًا هامشيًا، بل امتداد طبيعي لأخلاقيات المهنة. فالمساهمة في نشر الثقافة القانونية، وتقديم الاستشارات لغير القادرين، وتوعية المجتمع بالحقوق والواجبات، كلها أعمال تسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا واستقرارًا، وتحد من النزاعات التي تنشأ غالبًا بسبب الجهل بالحقوق أو سوء فهم الأنظمة.

إن القانون بلا روح إنسانية قد يتحول إلى قسوة، والعمل الإنساني بلا نظام قد يتحول إلى فوضى. وبين هذين الحدين يتجلى التوازن الذي تصان به العدالة وتُحفظ به كرامة الإنسان. فنحن في ميدان القانون لا نطبق نصوصًا فحسب، بل نشارك في حماية الاستقرار الاجتماعي، ونرسم حدود الأمان لمجتمع يتطلع أن يرى في القانون ملاذًا، وفي العدل حياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى