هيا، يا ربيع!

د.آدينه أحمد سعيدزاده
استاذ بجامعة طاجيكستان القومية
جميع فصول السنة جميلة، فكل واحد منها يحمل في طياته بهجة الحياة وحيويتها. نحن البشر، حين نرى مظاهر كل فصل من فصول السنة، نشعر بالسرور والارتياح، وتنفتح قلوبنا، وتنبعث فيها الآمال والأحلام.
لكن الحق أن بين الفصول مكانة الربيع متميزة.
فحين يحلّ الربيع، تتبدّل ألوان حياتنا الرتيبة، وتكتسب معنى جديداً.
ميزة الربيع أنه يكسو مظاهر الوجود بثوب شعري، فتترجم العيون والآذان العالم شعراً وجمالاً. وتتحول القلوب إلى مغنّية للغزل والأنغام.

في صفحة العقل البشري تنبعث الذكريات والتذكارات حيّة.
صورٌ تحمل في آنٍ واحدٍ الحزن والبهجة.
هذه الذكريات التي يعيدها الربيع ببركته، تارةً ترسم ابتسامة، وتارةً تطلق العنان للدموع.
ربيع الروح!من الأفضل أن أبوح لك بمشاعري.
أتصدق أن عينيّ كل عامٍ تترقبان قدومك بشغف؟
عشّاقك كُثر، لكنني أظن أنني أحبك أكثر من سواي.
والمُدهش أن ذكراك تُغمرني بحزنٍ لذيذٍ يملأ كياني.غير أنني لست وحدي في أحزاني وهمومي.
قلبي يحترق من أجل جميع العاشقين والمحبين في العالم.
أبكي وأحدّث الربيع عن أولئك الذين رحلوا قبل أن يدركوا جماله.
وأرى في معاناة كل عاشقٍ سمع جواباً بالرفض ولم يجد حبيباً، أن الحزن والآلام تعذّب قلوب المخلصين.
يُقال إن الحزن الذي يكون من أجل الآخرين هو حزنٌ لذيذٌ وقيّم.
وفي هذا المسار الممتع الذي يثير الفكر، تتّحد ذرات الكيان للحظةٍ ثم تنفصل سريعاً، فأغدو قلقاً مضطرباً.وعلى مرّ السنين أيقنت أن حينما يمتلئ نسيج وجود الإنسان بحزن الربيع، يغدو العالم له مضاءً بالأنوار، ويفهم لغة الجبال والسهول، والغابات والبساتين، والسماء والنجوم، والماء والأنهار.في مثل هذه الحال يسعى الشعراء الكبار جاهدين ليبوحوا برمز الكلام وسرّه إلى قلب هذا الحزين المذهول.
ومن خصائص الربيع أنه أوّل ما يأسر عقل الإنسان ويجذبه إليه، فيغدو ضيفاً دائماً على ليله ونهاره.
فإن لم يكن للربيع قرية، فلن يكون للشعر بستانٌ ولا أوراقٌ ولا زهور.ألفُ أغانٍ لا تُنشد، والنسيم يكفّ عن الهبوب.
ولم تعد عذارى الحظّ في لحظة الشباب يثورن بقوة الحبّ والعاطفة.في هذه الأيام، من لا يفهم الشعر فهو بلا شك قبضة الشتاء.
فلا نموّ فيه ولا ازدهار.
ربيع الروح!لقد قلتُ من قبل إنني سأحدّثك عن مشاعري.
إن عقلي ممتلئ بذكريات الربيع، ومرور تلك الخواطر يثير في نفسي البهجة، فأجدني من غير قصدٍ كأنني أطير، وأدخل في حوارٍ مع ذاتي، وأدور مغنّياً أجمل ألحان قلبي.
أتذكر العام الماضي حين كنت ضيفاً، وما الذي جرى لي في حضورك؟
لا شك أنك تحتفظ في ذاكرتك بتلك اللحظات المضيئة.
كان المساء حين قصدتُ وادي الجمال، وكانت الرياح اللطيفة المليئة بالعطر سيّدة الميدان، تهبّ بخفةٍ وتداعب وجوه الأعشاب والأوراق، وتقدّم لها عبيرك العذب كهديةٍ من الربيع.
في ذلك اليوم، نظرتُ لأول مرةٍ إلى الشمس باندهاش، فرأيتُ كيف كانت بشغفٍ تقبّل وجوه أوراق الأشجار، تلك الوجوه التي غسلتها قطرات الندى، وهي تدير نفسها نحو الشمس وتعرضها لها.
كان النهر يتدفّق في مجراه، ويتنفس أنفاساً متقطعة من فرط الفرح.
كانت أمواجه تتمايل بخفةٍ آسرة، وأحياناً مع ارتفاعها كانت الأسماك تقفز معها إلى الأعلى، ثم تعود لتنزل مع خيوط الموج من جديد.
فجأة وقعت عيناي على سربٍ من الفراشات، يتناثرن في قبضة الريح كأوراق الزهور، ويشكّلن ستاراً شفافاً أبيضَ ناصعاً يتحرّك أمام ناظري.
كانت الأرض مكسوّةً بأشعة الشمس الذهبية، كأنها سقفٌ من حريرٍ منسوجٍ بالذهب، وكان الهواء مشبعاً بعطر الحبّ.
أصغر الكائنات في الفضاء كانت تمتزج بالألحان والترانيم السماوية، وجميع المخلوقات كانت تغرق في عالمها الربيعي، ترقص وتحتفل بالربيع.



