لاينسيك التعيين ولايكسرك الفصل

ناديه الزهراني

في اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدما الموظف عتبة العمل، يكون المشهد أشبه بطقس عبورٍ رمزي من مرحلة الترقب إلى مرحلة الانخراط في معترك الحياة المهنية.
تتوهج الملامح ببارقة أمل، وتختلط في القلب مشاعر الاعتزاز والطمأنينة وفي تلك اللحظة تحديدًا، يتهيأ للإنسان أن شيئًا من الاستقرار قد بدأ يتشكل في أفق حياته؛

غير أن ما لا يُقال كثيرًا في تلك البدايات المفعمة بالتفاؤل، أن الوظيفة ليست وطنًا دائمًا، ولا ملاذًا أبديًا، بل محطة عابرة في رحلة أطول وأعمق تُسمى المسيرة المهنية.

ومع تعاقب الأيام،يتشكل شعور خفي بالاطمئنان، وربما يتسلل إلى النفس اعتقاد بأن هذا الباب الذي دخل منه ذات صباح لن يُغلق يومًا.لكن الواقع لا يسير وفق هذا التصور

فكما تأتي لحظة التعيين أحيانًا على حين غرة، قد تأتي لحظة أخرى مغايرة تمامًا…
لحظة يُطلب فيها من الموظف أن يسلّم بطاقة التعريف التي حملها يومًا باعتزاز.
لحظة تُختزل فيها سنواتٌ من الحضور في جملة
“انتهت العلاقة الوظيفية.”

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي للإنسان.
ليس السؤال: لماذا حدث ذلك؟
بل السؤال الأعمق: ماذا سيحدث بعده؟

ثمة من يتداعى تحت وطأة الصدمة، لأنه اختزل قيمته في منصبه الوظيفي.
وثمة من ينهض بثبات، لأنه أدرك أن الوظيفة لم تكن سوى فصلٍ واحد في قصة أكبر بكثير.
فالحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الوظيفة لا تصنع الإنسان، بل الإنسان هو الذي يمنح الوظيفة معناها وقيمتها.

فالتعيين لا يعني أنك بلغت الغاية،والفصل لا يعني أنك بلغت النهاية.
فالموظف الناضج لا تدفعه نشوة التعيين إلى الغرور،
ولا تقوده صدمة الفصل إلى الانكسار.بل يدرك أن كل تجربة، مهما بدت قاسية أو عابرة، تحمل في طياتها درسًا خفيًا ، يدعوه إلى التعلم، وإلى إعادة تشكيل ذاته، وإلى فهم حقيقة بسيطة لكنها عميقة

كماأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بالمنصب الذي يشغله، بل بالأثر الذي يتركه أينما حلّ.
لذلك، إن أتاك التعيين، فاستقبله بامتنان واعمل بضمير.وإن طرق بابك الفصل، فاستقبله بوعي، واعتبره منعطفًا يقودك إلى أفق آخر.
فالحياة المهنية لا تُقاس بعدد الوظائف التي حصلت عليها،
بل بعدد المرات التي امتلكت فيها الشجاعة لتبدأ من جديد.

ولهذا تبقى الحكمة الأبلغ:لا يُنسيك التعيين حقيقتك ،ولا يكسرك الفصل عن مستقبلك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى