ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهر

بقلم 🖋️ راشد بن محمد الفعيم
اللهُ عزَّ وجلَّ له المشيئةُ المطلقةُ والاختيارُ التام، فهو سبحانه يختار ما يشاء ويصطفي ما يشاء، ويُفضِّل بعضَ الأماكن على غيرها، وبعضَ الأزمنة على غيرها، بحكمته وعدله. ومن تأمَّل في سنن الله وجد أنَّ للأزمنة عنده فضائلَ ومراتب، فجعل منها مواسمَ للطاعة والخير، تتضاعف فيها الحسنات، وتُغفر فيها السيئات، وتُرفع فيها الدرجات.
ومن أعظم هذه الأزمنة وأجلِّها ليلةُ القدر، تلك الليلة المباركة التي عظَّمها الله تعالى وشرَّفها، وجعلها خيرًا من ألف شهر. قال الله تعالى في القرآن الكريم في سورة القدر:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
وهذا نصٌّ واضحٌ صريح، يدلُّ على عظيم فضل هذه الليلة ومكانتها عند الله عزَّ وجل. فقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا خيرٌ من عبادة ثلاثٍ وثمانين سنةً تقريبًا، وهي فرصة عظيمة ومنحة ربانية لا تُقدَّر بثمن.
تأمَّل أخي المسلم هذه النعمة العظيمة؛ فليس شرطًا أن يقوم المسلم الليلَ كلَّه، بل يكفي أن يقوم مع الإمام في صلاة التراويح والقيام والوتر، أو يصلّي منفردًا ما تيسَّر له من الصلاة، فيكتب الله له الأجر العظيم. وقد قال النبي ﷺ:
«من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِب له قيامُ ليلة».
وقد وصف الله تعالى ليلة القدر بعظمة شأنها، فقال في سورة القدر:
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾،
أي تتنزل الملائكة في تلك الليلة المباركة، وينزل جبريل عليه السلام في ليلةٍ يسودها السلام والطمأنينة حتى مطلع الفجر.
وقد اختلف العلماء في تحديد ليلة القدر؛ فمنهم من قال إنها تتنقل في الليالي الوترية من العشر الأواخر من رمضان، وهي: ليلة 21، وليلة 23، وليلة 25، وليلة 27، وليلة 29. وهذه خمس ليالٍ مباركة ينبغي للمسلم أن يجتهد فيها كلها طلبًا لفضلها العظيم. ومما يُذكر أن الليلة تسبق اليوم؛ فمثلًا إذا كان اليوم السادس والعشرون من رمضان فإن الليلة هي ليلة السابع والعشرين.
وقال بعض العلماء إنها ليلة السابع والعشرين تحديدًا، وقد ذهب إلى ذلك جمعٌ من أهل العلم، لكن الراجح عند كثيرٍ منهم أنها تتنقل في العشر الأواخر ليجتهد المسلم في جميعها.
ويقول بعض العلماء: قد تتكرر ليلةُ القدر في العشر الأواخر مرتين فضلًا من الله عز وجل، فيفيض الله بكرمه ورحمته على عباده في هذه الليالي المباركة، فيضاعف لهم الأجور ويغفر لهم الذنوب.
ولهذا ينبغي على المسلم أن يحرص أشد الحرص على اغتنام هذه الليالي، وأن يوقظ أهله وأبناءه ويحثهم على القيام والذكر والدعاء وقراءة القرآن. فقد كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله.
تخيَّل أخي المسلم أنك تقوم بضع ساعات فقط؛ فلو حسبنا من بعد صلاة العشاء إلى قبيل طلوع الفجر لوجدناها نحو تسع ساعات تقريبًا، تقوم منها ما استطعت، فتنال أجرًا يعادل عبادة ألف شهر. إنها تجارة رابحة مع الله، وأعمالٌ قليلة في زمنٍ قصير، يقابلها أجرٌ عظيم وثوابٌ كبير.
فلا تُفرِّط في هذه الفرصة العظيمة، ولا تدعها تمرُّ دون أن يكون لك فيها نصيب من الصلاة والذكر والدعاء والاستغفار، فربَّ ليلةٍ صادفت فيها ليلة القدر كانت سببًا في مغفرة ذنوبك ورفع درجتك ونجاتك من النار.
كما شُرِع في هذه الأيام الاعتكاف في المساجد، اقتداءً برسول الله ﷺ، فقد كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، واعتكف أصحابه من بعده، واعتكفت زوجاته رضي الله عنهن، طلبًا لليلة القدر ورغبةً في مزيدٍ من القرب من الله عز وجل.
ويُقال إن الليلة تسبق اليوم.
وفي التقويم الهجري الليلة تسبق اليوم، لأن اليوم الشرعي يبدأ من غروب الشمس. لذلك تكون الليالي الوترية في العشر الأواخر هكذا:
ليلة 21: تبدأ من مغرب يوم 20 إلى فجر يوم 21.
ليلة 23: تبدأ من مغرب يوم 22 إلى فجر يوم 23.
ليلة 25: تبدأ من مغرب يوم 24 إلى فجر يوم 25.
ليلة 27: تبدأ من مغرب يوم 26 إلى فجر يوم 27.
ليلة 29: تبدأ من مغرب يوم 28 إلى فجر يوم 29.
وهذه الليالي الوترية التي يُرجى أن تكون فيها ليلة القدر، وعددُ الليالي الوترية في العشر الأواخر من رمضان خمسُ ليالٍ فقط.
لذلك يُستحب الاجتهاد فيها كلها بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن.
نسأل الله تعالى أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يعيننا على قيامها إيمانًا واحتسابًا، وأن يجعلنا فيها من المقبولين والمغفور لهم، وأن يكتب لنا فيها الأجر العظيم والفضل الكبير، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعاء.



