مابين روعة العلم ودهشة التأملات

مساعد العياش الزيد

أكملت الآن اثنا عشر شهراً في مدينة دراستي الصغيرة والتي قد اسميتها بالمناسبة (مدينة الغروب ).. تتوسط شقتنا الجميلة مابين الكنيسة في بداية الشارع والمسجد الكبير في آخر الشارع حيث يوم الأحد نسمع الأجراس ويوم الجمعة نطمئن بخطبة الإمام خريج جامعة الازهر ..

كنت في البداية أحاول أنكر هذه الحياة كنت أتجنب الانخراط في الأماكن المزدحمة والأحياء القديمة

حتى إنني في أول شهرين كنت أفيق في بعض الصباحات وأقفل كامل الشرفات في محاولة أن انسى الشقاء وصعوبه الحياة التي أراها كل يوم .. نباح الكلاب بصوت مزعج الساعة الثانية منتصف الليل ونهيق حمار جارنا أبو عبد الله في السادسة صباحاً وبائعين يصرخون من أعلى رئتهم ليجذبون الباعه طوال النهار ومحل النجارة تحت شقتنا والذي بالمناسبة كان يسبب لي صداع كامل اليوم ولكني الان وبعد العيش فيها لاشهر طويله ايقنت بأنها هذه هي أصوات الحياة لمدينة تحاول النجاة في كل شروق شمس جديد

أدركت حينها بأنه لا فائدة من الهرب فاتخذت من البلكونه مجلساً لي في كل غروب شمس ..اتأمل الشرفات والأصوات الساطعه من داخل البيوت وكأنه لا يوجد جدران لهذه البنيان ، وأتساءل يا ترى ما هي أنواع الافراح والاحزان التي تُعاش خلف هذه الجدران .. أتأمل الطفل الصغير وهو يجر علب الماء البلاستيكيا في الشارع وكبيرة السن التي تنظف شوارع الحي كل يوم وماذا عن الرجل الذي يصرخ بصوت عالي في الواحدة ظهراً لانه وكالعاده يرى أن خمسين جنيه كثيرة لتصليح كفر الدراجة ولا ننسى جارتنا التي تطلب الطلاق كل عصرية من زوجها لأنه لم يحضر الزيت .. الكثير من القصص والحكايات خلال اشهر جعلتني ادرك الكثير من الحقائق واولها ان لا تقاوم التغييرات التي تفرضها عليك الحياة ولا تحاول تغيير صورتها وصوتها الذي تحاول أن تسمعك إياه .. دع الحياة تعيش من خلالك ودع الترحال وتغير الأحوال التي تحيط بك تلمسك وهذا ما جعلتني أشعر به جلسة الشرفة كل غروب أن تتقبل بكل بساطه ، تقبل الحقائق والمشاعر التي تحيط بك وتفهمها وتعايش معها بأريحيه ومتعه ايضاً

فهناك رسائل حولك تحتاج منك أن تسمعها ..رسالة تحتاج منك قراءتها والتبصر فيها .
وكنت كل ما نزلنا للمشي في الحي أسرح في مصر وطبيعتها والكثير من التساؤلات وفي حين كنا نعبر الشارع التفتُ لأبي وانا في حيرة من أمري وقلت إن هذا الشعب عظيم وعجيب في العيش فرغم الشقاء يقاومون الحياة بابتسامة ورضا تام ففي كل مرة نعبر الطريق بجانب شغيله يحفرون الأرض اثنا عشر ساعة متواصلة ،نسمعهم أنا وابي يضحكون ويمازحون بعض ويتقاسمون رغيف من الخبز فكنت أتعجب! وربما أكثر من غربني

وكررته على ابي كثيرا وأنا انظر راحتهم! ورضاهم! كيف لهم ان يعيشوا يوما واحدا بهذا التعب؟

ففي أرض الكنانة لم تكن دراستي ورحلتي في الماجستير بل رحلة معرفية ونفسية وتجرد للذات من الكثير من المفاهيم عن الحياة ،فالتعايش الذي خضته وتعمقت فيه ، جعلني أكثر تهذيباً لنفسي وأكثر رضا وتقبل لمتغيرات الحياة وأكثر تسامحا للمصاعب والعقبات التي قد تواجهني و امتنان وتقدير عظيم لرحلة الماجستير ، التي لم ترفعني درجات علميه فقط بل شعرت بأنها جعلت مني شخصا يقيم مواقف الحياة بوعي وتفهم تام ويرى الحقائق بشكلها دون أن تصنع منه أحزان ولا سعادات حتى وكأن هذه الرحلة كشفت ستار الحياة أمامي بشكل راقي وواعي.

وهذه الأشهر كانت كلمات قد قالها غازي القصيبي تتردد كثيرا في ذهني وأمامي وهي ” كلما زاد العمر أيقنا أن تلك الحياة لا تستحق كل هذا الألم ، ترحل متاعب وتأتي غيرها ، تموت ضحكات تولد أخرى ، يذهب البعض يأتي آخرون ، مجرد حياة ”

غير أنه مازلت في ريعان الشباب على أن اؤمن بهذا الكلام إلا انني ممتنة لهذا العام والذي بالمناسبة أشعر في كثير من الاحيان بان الله قدم لي في صحن من ذهب سنوات قادمة من عمري قد لخصت في عام واحد والشكر الكبير لشعب مصر العظيم لأنهم علموني كل هذا فقط وانا أحتسي القهوه من أعلى البلكونة في حمرة الغروب ووسط صخب المدينة الجميل

افتخار بنت مساعد عياش الزيد – باحثة ماجستير في القانون الجنائي – ديسمبر ٢٠٢٥ – مدينة دمياط مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى