رحيل الأمير وبقاء الأثر .. الأمير محمد بن بندر بن محمد بن سعود الكبير

الكاتبة / ناديه الزهراني

هذه الليلة… ليست ككل الليالي.
هي أول ليلةٍ يوارى فيها الثرى جسد الأمير محمد بن بندر بن محمد، وأول ليلةٍ ندرك فيها أن بعض الراحلين لا يغادرون المكان فقط…بل يتركون فراغًا لا يُملأ.

رحل… لكن رحيله لم يكن كأي رحيل، جاء في توقيتٍ يربك الشعور، في ثالث أيام العيد…
وكأن العيد لم يكتمل هنا، لأنه اختار أن يكتمل هناك…
حيث اللقاء الأبدي، حيث الأب ينتظر ابنه.

رحل ليُكمل عيده مع ربّه، ونسأل الله أن يكون عيده لقاءً بوالده الأمير بندر بن محمد، في جناتٍ لا فراق بعدها.

لم يكن محمد بن بندر مجرد اسمٍ يُذكر، ولا شخصيةٍ تُعرَف من بعيد… كان أثرًا حيًّا، وصوتًا يحمل من الرقي ما يجعل حضوره مختلفًا، وإنسانيته أوسع من أن تُختصر في موقف.

عرفته…
وكان في كل مرةٍ يشعرني أنني أنا “الأميرة” في تعامله، بذلك الاحترام الذي لا يُصطنع، والرقي الذي لا يُدرَّب عليه، بل يولد مع صاحبه.
كنا – بحق – شهداء الله في خلقه… لم يكن إلا على خُلقٍ رفيع، نادر، يكاد لا يتكرر. كان مرهف الحس… شاعرًا لا يكتب بالكلمات بقدر ما يكتب بالشعور.

لم تكن أشعاره حبرًا… بل نبضًا، وكل نبضٍ صادق… لا يموت.

كان يؤمن أن الأثر لا يُقاس بما يُقال، بل بما يبقى بعد أن يُقال.
ولهذا… بقي.
أتذكر شغفه…
ذلك الشغف الذي لا يهدأ، والذي كان يُلهم من حوله دون أن يتكلف الإلهام.

حتى التفاصيل الصغيرة…
كانت تحمل قصصًا.
كـ “اللون البنفسجي”…
لم يكن مجرد لونٍ عابر في حياته، بل حكاية بدأت معه صغيرًا، ثم كبرت معه، حتى أصبح انعكاسًا له، ورمزًا يربطه بكل من عرفه، وكأن هذا اللون كان امتدادًا لروحه… لا اختياره.
كان حضوره مختلفًا…
حزمٌ لا يخلو من لطف، وقوةٌ مغموسة بالحِلم، يدير المشهد لا بالصوت العالي، بل بثقل الكلمة، واتزان الموقف

والمفارقة التي تُوجع القلب… أن من كان يدعو للحياة، ويرفع الوعي، ويحثّ على مواجهة المرض… رحل بسبب ما كان يحذّر منه.

في عام 2015 قال: “لا تُركّز على مكافحة سرطان معيّن، بل على جميع الأنواع، وشجّعوا المجتمع على الكشف المبكر.”

كان يقولها…
واليوم، يمضي وكأنه ختم رسالته بنفسه.
رحل محمد… لكن المكانة لم ترحل، والكلمة التي خرجت من قلبه، ما زالت تسكن فينا… وكأنه لم يغب.
بعض الأشخاص لا يُودَّعون… بل يمتدون فينا.

رحمك الله يا محمد… يا طيب القلب، جميل اللسان، رفيع الخُلق، عالي الهمة، حبيب الجميع.

نسأل الله أن يجعل ما أصابك رفعةً في درجاتك، وتكفيرًا لسيئاتك، وأن يجمعك بوالدك في جنات النعيم، وأن يجعل عيدكما لقاءً لا فراق بعده.

رحم الله الأمير محمد بن بندر ورحم الله والده بحجم تلك المعاني التي علّمونا إياها: كيف نحب… وكيف نبقى أوفياء، حتى بعد الغياب.

وبقدر تلك الابتسامة التي سكنت وجهه ولم تغادره، نسأل الله أن يجعله من الضاحكين المستبشرين في جنات النعيم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى