الأم… ليست يومًا في التقويم بل وطنٌ يسكن العمر

بقلم إبراهيم النعمي
في زمنٍ تختصر فيه المشاعر بمناسبات، تبقى الأم الحقيقة التي لا يُحيط بها يوم، ولا يفيها احتفال، فهي الحُب الذي نعيشه كل يوم، والنعمة التي لا تُقدَّر بثمن.
حين يحاول العالم اختزال الأم في يومٍ واحد، يظلّ برّها واجبًا لا يُؤجَّل، وحبّها دينًا لا يُسدَّد، فهي الحياة التي لا تتكرر.
بالأمس، احتفل العالم بيوم الأم، أو كما يُسمّى “عيد الأم”، لكن عذرًا يا أمي، وعذرًا لكل الأمهات… فليس لكنّ يومٌ واحد في السنة نحتفل فيه بحبكن، بل كل أيام العام هي أيامكن.
لقد كرّم الإسلام الأم قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وجعل برّها مقرونًا بتوحيد الله سبحانه وتعالى، فقال عزّ وجلّ:
(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…)
كما جاء في الحديث الشريف حين سأل رجلٌ النبي ﷺ: من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ فقال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك.
فالأم لا تُختصر في مناسبة، ولا يُحدّ فضلها بيوم؛ هي العطاء الذي لا ينضب، والتضحية التي لا تعرف حدودًا. هي التي تسهر لمرضك، وتتعب لراحتك، وتؤثرك على نفسها في كل شيء.
قال الأوائل: الأم حياة، وهي الوطن، وعماد البيت، ومصدر السعادة فيه. فإذا غابت، غاب الدفء، وحلّ الحزن، وسكن الصمت أركان المكان.
ومن هنا، فإن الاحتفال الحقيقي بالأم لا يكون بيومٍ عابر، بل بكلمة طيبة، ودعاء صادق، وبرٍّ دائم، ومواقف تُترجم الحب إلى أفعال.
ولا يعرف قيمة الأم حقًا إلا من فقدها، أو حُرم حنانها؛ فهناك تُدرك أن الأم ليست شخصًا في حياتك… بل هي الحياة كلها.
وفي النهاية… لا تنتظر يومًا لتقول لأمك “أحبك”، ولا تؤجل برّها إلى وقتٍ تظن أنه سيأتي. فالأم لا تُعوَّض، وغيابها فراغٌ لا يملؤه أحد.
قبّل يدها اليوم، اقترب منها، اسأل عنها، واغتنم وجودها قبل أن تصبح الذكريات هي كل ما تبقّى منها.
فمن كانت أمّه على قيد الحياة، فقد مُنح نعمةً لا تُقدَّر بثمن…
ومن فقدها، يعلم جيدًا أن العمر بعد الأم… ليس كما قبلها.



