السنن المهجوره عند نزول المطر

إعداد؛ فهد السميح
الحمدُ للهِ مُنزِّلِ الغيث، باعثِ الرحمة، ومحيي الأرضِ بعد موتها، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل من آياته نزول المطر رحمةً بالعباد، وتذكيرًا بقدرته وعظيم فضله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، المعلِّمُ للأمة دقائقَ العبادة في كل شأنٍ من شؤون الحياة.
أما بعد، فإنَّ نزول المطر ليس مجرد ظاهرةٍ كونيةٍ عابرة، بل هو موسمٌ إيمانيٌّ تتنزّل فيه الرحمات، وتُستجاب فيه الدعوات، وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى سُننٍ عظيمةٍ تُحيي القلوب وتربطها بربِّها عند نزول الغيث، فيجتمع للمؤمن فيها شكرُ النعمة، وصدقُ الافتقار، وحسنُ التوجّه إلى الله تعالى.
وفيما يلي جملةٌ من السُّنن الثابتة عند نزول المطر، مع أدلتها:
الدعاء عند رؤية أول المطر
من السنّة أن يدعو المسلم إذا رأى المطر بقوله:
«اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا»
📚 عن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: صَيِّبًا نَافِعًا(1).
وفي رواية: أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا هَنِيئًا»(2).
والصيب: ما سال من المطر وجرى، وأصله من: صاب، يصوب؛ إذا نزل.
الدعاء بعد نزول المطر
يُسنّ أن يقول بعد نزول المطر:
«مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ»
📚 عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟. قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ.» (3).
كشف شيء من البدن ليصيبه المطر
وهو من الهدي النبوي؛ تبركًا بهذه الرحمة النازلة.
📚 عن أنس رضي الله عنه قال: «أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ. قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَوْبَهُ. حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى » (4).
حسر- أي كشف بعض بدنه – لماء المطر
حديث عهد بربه: أي بتكوين ربه إيَّاه، ومعناه أن ماء المطر قريب العهد بخلق الله – تعالى – لها؛ فيتبرك به.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه في استسقاء النبي ﷺ المطر على المنبر، قال:
« فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، قَالَ: فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ.» (5).
وقد ترجم له البخاري، «بَابُ مَنْ تَمَطَّرَ فِي الْمَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ» (6).
قال ابن حجر: «وكأن المصنف أراد أن يبين أن تحادر المطر على لحيته ﷺ لم يكن اتفاقا وإنما كان قصدا فلذلك ترجم بقوله من تمطر أي: قصد نزول المطر عليه؛ لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته ﷺ» (7).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ إذا أمطرت السَّمَاءُ، يَقُولُ: “يَا جَارِيَةُ! أَخْرِجِي سَرْجِي، أَخْرِجِي ثِيَابِي، وَيَقُولُ: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9].» (8).
وقال أبو العباس القرطبي: «ومن باب: التبرك بالمطر
قوله: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه؛ أي: كشفه عن جسده.
وقوله: لأنه حديث عهدٍ بربه؛ أي: بإيجاد ربّه له، وهذا منه ﷺ تبرُّك بالمطر، واستشفاء به؛ لأن الله – تعالى – قد سَمّاه رحمة، ومباركًا وطهورًا، وجعله سبب الحياة، ومُبعدًا عن العقوبة. ويستفاد منه احترام المطر، وترك الاستهانة به.» (9).
الإكثار من الدعاء أثناء نزوله
فهو وقتُ الرجاء وإجابة الدعاء.
📚 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ، أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا»، وفي رواية «وَوَقْتُ الْمَطَرِ» (10).
الدعاء عند شدّة المطر وخوف الضرر
إذا اشتدّ المطر وخيف الضرر، يُسنّ الدعاء بما ورد:
«اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»
📚 عن أنس رضي الله عنه في قصة الرجل الذي طلب من النبي ﷺ أن يدعو برفع المطر، فدعا. «ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ» (11).
تذكّر عذاب الله والتوبة
فالمطر رحمة، لكنه قد يكون عذابًا إن اقترن بسخط الله، فينبغي للمؤمن أن يخاف ويرجو الله تعالى.
📚 عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: « كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ، عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي. وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: رَحْمَةٌ » (11).
خاتمة دعوية
إنَّ نزول المطر ليس مجرّد ظاهرةٍ كونية، بل هو موسم عبودية؛ تتجلّى فيه معاني التوحيد، وشكر النعمة، والخوف من العقوبة، والافتقار إلى الله تعالى.
فحريٌّ بالمسلم أن يغتنم هذه اللحظات المباركة عند نزول المطر، فيُحيي سُنن نبيِّه ﷺ قولًا وعملاً، فيدعو، ويشكر، ويتفكّر، ويخاف، ويرجو؛ ليكون من الذاكرين الله كثيرًا.
🌿 وإنَّ من أعظم الحرمان أن تمرّ هذه النفحات الربانية دون انتباهٍ أو استثمار، فالسعيد من جعل كل نعمةٍ سببًا للقرب من الله
نسأل الله أن يجعل أمطارنا أمطار رحمةٍ وبركة، وأن يرزقنا اتباع السنة ظاهرًا وباطنًا، وأن يحيي قلوبنا بذكره كما يحيي الأرض بالغيث 🌧️
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



