بين السلوكية والواقعية: كيف تصوغ المملكة نهجًا اقتصاديًا متوازنًا لصناعة السلام العالمي

بقلم الكاتبة :نجاح لافي الشمري
الحدود الشمالية – رفحاء
تشكل مدرستا السلوكية والواقعية في العلاقات الدولية إطارين فكريين مهمين لفهم سلوك الدول وتفاعلاتها في النظام الدولي. ففي حين تركز المدرسة الواقعية على مفاهيم القوة والمصلحة الوطنية والصراع كعناصر أساسية في السياسة الدولية، تسعى المدرسة السلوكية إلى تحليل السلوك الإنساني والمؤسساتي باستخدام مناهج علمية، مع التركيز على التعاون والتفاعل الإيجابي بين الدول.
وفي هذا السياق، يبرز نهج المملكة العربية السعودية كنموذج متوازن يجمع بين إيجابيات المدرستين، متجاوزًا سلبياتهما، ليؤسس رؤية واقعية-سلوكية تسهم في تعزيز الاستقرار العالمي وصناعة السلام. فمن المدرسة الواقعية، تستفيد المملكة من فهم أهمية المصالح الوطنية وحماية الأمن والاستقرار، مع إدراك طبيعة التنافس الدولي. لكنها في الوقت ذاته لا تنغلق ضمن منظور الصراع، بل تتجاوزه عبر تبني أدوات المدرسة السلوكية التي تركز على الحوار، والتعاون، وبناء الشراكات الدولية.
لقد انعكس هذا التوازن في السياسات الاقتصادية للمملكة، حيث تبنت نهجًا واقعيًا يواكب التحولات العالمية، مع مراعاة الأبعاد الثقافية والإنسانية. فبدلًا من الاقتصار على تحقيق المكاسب الوطنية الضيقة، تعمل المملكة على تطوير نموذج اقتصادي منفتح يسعى لتلبية احتياجات العالم، سواء من خلال استقرار أسواق الطاقة، أو دعم التنمية المستدامة، أو تعزيز التبادل الثقافي والمعرفي بين الشعوب.
كما أن رؤية المملكة في التعاون الدولي لا تقوم على الهيمنة أو فرض النفوذ، بل على الشراكة المتبادلة التي تحقق المصالح المشتركة. ويتجلى ذلك في مبادراتها الهادفة إلى دعم الحوار بين الثقافات، وتعزيز التكامل الاقتصادي، والمساهمة في حل النزاعات بطرق سلمية. وهذا النهج يعكس فهمًا عميقًا بأن السلام لا يتحقق بالقوة وحدها، بل عبر بناء جسور الثقة والتفاهم بين الدول.
ومن خلال هذا الدمج الذكي بين الواقعية والسلوكية، تخلق المملكة نموذجًا جديدًا في العلاقات الدولية، يقوم على الواقعية المرنة والتعاون البنّاء. نموذج لا يتجاهل حقائق القوة، ولا يغفل أهمية القيم الإنسانية، بل يوظفهما معًا لصياغة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
وفي ظل التحديات العالمية المتزايدة، من أزمات اقتصادية إلى صراعات جيوسياسية، يبدو هذا النهج ضرورة ملحة، وليس مجرد خيار. فالعالم اليوم بحاجة إلى مقاربات متوازنة تجمع بين العقلانية السياسية والبعد الإنساني، وهو ما تسعى المملكة إلى تجسيده عبر سياساتها ومبادراتها المختلفة.
ختامًا، يمكن القول إن المملكة العربية السعودية تقدم مثالًا عمليًا على إمكانية التوفيق بين مدارس فكرية مختلفة في العلاقات الدولية، لصياغة نهج شامل يسهم في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التعاون الدولي، وصناعة السلام العالمي.



