عشر ذي الحجة

بقلم 🖋️ راشد بن محمد الفعيم
في مساء هذا اليوم الأحد تدخل علينا أفضل أيام العام، وهي عشر ذي الحجة، تلك الأيام المباركة والفاضلة التي عظّم الله شأنها، ورفع قدرها، وجعل العمل الصالح فيها أحب إليه من غيرها من سائر أيام الدنيا. وهي أيام يُشرع فيها الإكثار من الطاعات، والتقرب إلى الله عز وجل بأنواع العبادات من صلاة وذكر وصدقة وصيام وتكبير وتهليل وقراءة للقرآن وصلة للأرحام وإحسان إلى الناس.
وفي هذه الأيام المباركة يُؤدَّى الحج، ذلك الركن العظيم والركن الخامس من أركان الإسلام، الذي فرضه الله على من استطاع إليه سبيلًا، رحمةً بعباده وتيسيرًا عليهم، فلم يوجب سبحانه الحج على كل الناس دون قدرة واستطاعة، بل جعله لمن يملك القدرة المالية والبدنية والأمنية. فمن الناس من يعجز بماله، فلا يستطيع تكاليف السفر والسكن والنفقة، ومنهم من يعجز ببدنه بسبب المرض أو الكِبر أو الضعف، ومنهم من تحول بينه وبين الحج ظروف وأعذار مختلفة، وقد رفع الله الحرج عن الجميع، وهذا من عظيم رحمته ولطفه بعباده.
وكذلك فإن المشاعر المقدسة لها طاقة استيعابية محددة، فلا يمكنها استقبال عشرات الملايين في وقت واحد، فالمساحات في منى ومزدلفة وعرفة والحرم المكي محدودة مهما توسعت، ولذلك جاءت التنظيمات والترتيبات حفاظًا على أرواح الحجاج وسلامتهم، وحتى يؤدوا مناسكهم بيسر وطمأنينة وأمان.
ومع فضل الحج وعظم مكانته، فإن فضل عشر ذي الحجة لا يقتصر على الحجاج فقط، بل يشمل المسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها، فالمجال مفتوح لكل مسلم أن يغتنم هذه الأيام بالطاعة والعمل الصالح، وأن يكثر فيها من ذكر الله والتوبة والاستغفار، وأن يحرص على بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الخلق، وأن يجعل هذه الأيام بداية خير وتغيير وصلاح في حياته.
ويُشرع التكبير المطلق في الأسواق والمساجد والطرقات، ومن صيغ التكبير:
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
وكان السلف رحمهم الله يعظمون شأن التكبير في هذه الأيام المباركة، ويرفعون أصواتهم به إظهارًا لشعائر الله وتعظيمًا له، لما في ذلك من إحياء للسنة وتذكير للناس بفضل هذه الأيام وعظمة الله سبحانه وتعالى.
كما يُشرع في عيد الأضحى الأضحية، وتكون من الإبل والبقر والغنم والماعز، وقد جعل الله عز وجل لمن يضحي أجرًا عظيمًا وثوابًا كبيرًا، لما فيها من التقرب إلى الله وإحياء لسنة نبي الله إبراهيم عليه السلام. وكذلك يُستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج، لما فيه من الأجر العظيم وتكفير الذنوب، أما الحاج فلا يجوز له الصيام حتى يكون أقوى على أداء مناسك الحج والدعاء والذكر.
وقد أقسم الله عز وجل بهذه الأيام في كتابه الكريم لعظيم فضلها فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، والمقصود بها عشر ذي الحجة على قول كثير من أهل العلم. وقال النبي ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».
فحريٌّ بالمسلم أن يغتنم هذه المواسم العظيمة، فإنها أيام قليلة لكنها عند الله عظيمة الأجر، كثيرة البركة، يُضاعف فيها الثواب، وترتفع فيها الدرجات، وتتنزل فيها الرحمات، وتفتح فيها أبواب الخير لعباد الله المؤمنين. فالسعيد من اغتنمها بالطاعة والذكر والاستغفار، وأكثر فيها من الدعاء والصدقة والإحسان، وأصلح ما بينه وبين الله عز وجل.
نسأل الله عز وجل أن يبلغنا عشر ذي الحجة، وأن يعيننا فيها على الطاعة والعبادة، وأن يتقبل من الحجاج حجهم، ومن المسلمين صالح أعمالهم، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وأن يجعل هذه الأيام شاهدةً لنا لا علينا، إنه سميع مجيب الدعاء.



