بين زحام الدنيا وسكون الروح رحلة العشر

 

أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِي

في زحام الحياة وانشغال النفوس، تأتي عشر ذي الحجة لتختبر صدق العبد مع ربه حين تغيب الأجواء الجماعية. موسم لا يحتاج فراغاً بقدر ما يحتاج نية صادقة وقلباً متعلقاً بالله. هي رحلة قصيرة بين الدنيا والروح، من عرف قدرها خرج منها أقرب وأثبت.

تمرّ بالعمر مواسم لا تشبه ما سواها، تحمل في طيّاتها من النفحات ما يوقظ القلوب الغافية، ومن الفرص ما لا يعوّضه الزمن إذا ولّى. ومن أجلّ هذه المواسم عشر ذي الحجة، أيام أقسم بها ربّ العزة في محكم تنزيله فقال: ﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وأخبر الصادق المصدوق ﷺ أن العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله من العمل في سائر الأيام.

غير أنّ هذه العشر لا تطرق أبوابنا بمثل ما يطرق رمضان. لا تُصفّد فيها الشياطين، ولا تضيق المساجد بأهلها، ولا يسري في الأفق صوت القارئ قبل الفجر فيحرّك في النفس شوقاً ووجلاً. تدخلها والدنيا على حالها، بأعبائها التي لا تنفك، وبأشغالها التي لا تنقضي، فيقف المرء بين أمرين لا ثالث لهما: إمّا أن يجعل من انشغاله عذراً، وإمّا أن يجعله ميداناً لصدقه.

وهنا يكمن سرّها. فالعبادة في رمضان ترفدها الأجواء وتدفعها الجماعة، وأمّا في عشر ذي الحجة فالعبادة قرار فردي خالص، لا يسندك فيه إلا صدقك مع الله. لذلك كانت ميدان الصادقين، وموسم المشتاقين الذين يطلبون القرب ولو كان الطريق إليه محفوفاً بالمشاغل، مكتوم الأنفاس بين العمل والدراسة وهموم المعاش.

ومن لطائف هذه الأيام أنّ اغتنامها لا يقتضي اعتزال الحياة ولا تعطيل مصالحها. يكفي أن يعيد العبد ترتيب قلبه ووقته، وأن يجعل نيته لله في كل ما يأتي ويذر. فمذاكرتك لامتحانك قربة إذا نويت بها نفع نفسك وأهلك، وعملك المتقن عبادة إذا خلصت فيه السريرة، وكلمتك الطيبة في زحام الناس صدقة إذا خرجت من قلب عامر بالإخلاص. فتغدو الحياة كلها مدرسة، وتغدو العشر فصلاً مكثفاً فيها.

وما أجدر العبد أن يضع لنفسه فيها هدفاً يسيراً ثابتاً لا يتزحزح. لا يكلف نفسه ما لا يطيق فينقطع، بل يأخذ من العمل ما يديمه. جزء من القرآن كل يوم، ركعتان قبل النوم لا ينام قبلهما، صدقة ولو يسيرة، ولسان لا يفتر عن التكبير والتهليل والتحميد. فإنّ التكبير وحده يصنع في البيت والطريق جواً إيمانياً يعوّض غياب الأجواء الجماعية، ويذكّر القلب بأنّ الله أكبر من كل شاغل وأعظم من كل هم.

ويبلغ الموسم ذروته في يوم عرفة، يوم العتق والمغفرة، يوم يدنو فيه الربّ من عباده فيباهي بهم ملائكته. من وقف بقلبه هناك، ورفع يديه بالدعاء وهو منكسر، أدرك معنى القرب وذاق حلاوة المناجاة. فاجمع دعواتك من أول العشر، ولا تؤخرها إلى لحظة العجلة، فإنّ للقلب حاجات لا ينطق بها اللسان إلا إذا تهيأ لها من قبل.

وفي ختام هذه الأيام لا يحاسب العبد نفسه بعدد الختمات ولا بطول القيام، وإنما يحاسبها على الأثر. هل خرج بعادة ثبتت فصارت له سجية؟ هل ترك ذنباً كان يعاند فيه؟ هل وجد قلبه ألين، ولسانه أرطب بذكر الله؟ فمن وجد ذلك فقد ربح، ومن لم يجد فليراجع نيته ومسيره.

إنّ الأيام تمضي سريعاً، والعمر أقصر من أن نؤجل. وربما لا ندرك هذه العشر مرة أخرى، فلا نتركها تمرّ مرور السحاب. ابدأ من مكانك، بظروفك، بوقتك القليل، مستعيناً بالله على ما يحب ويرضى. فالسعيد من اغتنمها قبل أن تصير ذكرى، والخاسر من مرّت عليه فلم تترك في قلبه أثراً.

ولعلّك تخرج منها ولم تتغير ملامح حياتك الظاهرة، ولكنك تجد قلبك قد مال إلى الله ميلاً، ونفسك قد اقتربت منه قرباً، وطريقك قد استبان وضوحاً. وحسب المرء من موسم أن يكون تعبه فيه راحة، وانشغاله فيه غنيمة، وصدقه فيه هو الاختبار الحقي.

للتواصل :[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى